كتبت: حنان المطوع

درسنا في المدرسة قصائد عمر الخيام، ورددنا أبياته، وحلمنا مع كلماته، وكان بالنسبة لي واحداً من أولئك الشعراء الذين لا تمر كلماتهم على الذاكرة مروراً عابراً. بقي شيء منها في داخلي، وأسهمت، مع ما قرأت وحفظت في تلك السنوات، في تشكيل ذائقتي وشخصيتي ونظرتي إلى الحياة. كبرنا ونحن نعرف عمر الخيام شاعراً حالماً، يتأمل العمر والزمن والحياة، ويسأل أسئلته الكبيرة عن الإنسان والمصير ومرور الأيام. هكذا عرفته، وهكذا بقي في ذاكرتي سنوات طويلة.
حتى وقعت بين يدي، مصادفة، معلومة جعلتني أتوقف.
عمر الخيام لم يكن شاعراً فقط.
كان عالماً ورياضياً وفلكياً أيضاً، وله إسهامات مهمة في علم الجبر وفي إصلاح التقويم. قرأت المعلومة مرة، ثم عدت إليها مرة أخرى، وكأنني أتعرف إلى الرجل من جديد. وسألت نفسي: لماذا لم نعرف كل هذا عنه ونحن ندرس شعره؟ لماذا بقي الشاعر في ذاكرتنا، بينما توارى خلفه العالم؟
والأجمل أن المجال الذي برع فيه الخيام كان مرتبطاً بشيء طالما شغله في شعره: الزمن. فالرجل الذي كتب عن مرور الأيام لم يكتفِ بالتأمل فيها… بل حاول أن يقيسها.
في عهد السلطان ملكشاه، شارك عمر الخيام مع مجموعة من علماء عصره في مشروع لإصلاح التقويم، معتمدين على الرصد الفلكي الدقيق لحركة الشمس وتحديد بداية السنة الشمسية، فظهر «التقويم الجلالي»، الذي عرف بدقته الكبيرة في حساب السنة وتعاقب الفصول. تأملت المفارقة طويلاً. ذلك الشاعر الذي عرفناه وهو يحدثنا عن قصر العمر ومرور الزمن، كان يجلس في مرصده يراقب السماء والشمس، ويحسب الأيام والفصول بالأرقام. وكأن الزمن الذي كان يسكن قصائده، أراد أن يفهمه أيضاً بالعلم.
ثم كانت المفاجأة الثانية.
عمر الخيام الذي حفظنا له الشعر، كان صاحب عقل رياضي لافت. فقد درس المعادلات التكعيبية دراسة منهجية، وصنف أنواعاً منها، وبحث عن حلول لها باستخدام الهندسة وتقاطع القطوع المخروطية، في زمن كانت أدوات الجبر فيه لا تزال تتطور. ولم يكن يبحث عن الإجابة وحدها، بل عن البرهان أيضاً؛ لماذا تصح؟ وكيف نصل إليها؟ وما النظام الذي يقف خلفها؟
وهنا بدأت أرى عمر الخيام بصورة مختلفة تماماً.
لم يعد في ذاكرتي ذلك الشاعر الذي أخذنا معه إلى عالم التأمل فقط، بل أصبح أمامي إنساناً ينظر إلى الكون بعينين: عين الشاعر التي ترى الجمال، وعين العالم التي تبحث عن الدقة. بعين الشاعر تأمل الزمن. وبعين الفلكي قاسه. وبعين الرياضي حاول أن يجعل المعادلات تبوح بأسرارها. وربما أكثر ما أثارني في حكايته ذلك السؤال الذي ظل يلح عليّ: كم شخصية عرفناها في طفولتنا من نافذة واحدة فقط، بينما كانت لها نوافذ أخرى لم يفتحها لنا أحد؟
لو أنني عرفت في المدرسة أن صاحب تلك القصائد التي أحببتها كان يقف أيضاً أمام السماء يرصد حركة الشمس، ويجلس أمام المعادلات يبحث عن حلولها، ربما كنت سأقرأ شعره بطريقة أخرى، وربما كنت سأفهم منذ ذلك الوقت أن الأدب والعلم ليسا عالمين متخاصمين كما نتخيل. فالعقل نفسه يستطيع أن يكتب بيتاً من الشعر، ثم يرفع رأسه إلى السماء ليحسب حركة الزمن.
وهكذا، بعد كل هذه السنوات، تعرفت إلى عمر الخيام مرة أخرى. عرفته في صغري شاعراً جعلني أحلم. واكتشفته اليوم عالماً جعلني أتأمل. وبين الشاعر الذي عرفته طفلة، والعالِم الذي اكتشفته بعد سنوات، أدركت أن بعض الشخصيات التاريخية لا نحتاج إلى أن نقرأ عنها أكثر فحسب…. بل نحتاج أحياناً إلى أن نتعرف إليها من جديد.






