حين يكون للحروف قلب

كتبت : حنان المطوع

ليست كل الحروف التي نكتبها تستحق أن تقرأ، ولا كل الكلمات التي ننطق بها تستحق أن تبقى في الذاكرة. فهناك كلمات تمر على مسامعنا كما تمر الرياح على النوافذ، لا تترك أثراً ولا توقظ شعوراً، وهناك كلمات قليلة، ربما لا تتجاوز سطراً واحداً، تستطيع أن تفتح في أرواحنا أبواباً ظننا أن الزمن أغلقها إلى الأبد. وما أعجب هذه الحروف الصغيرة! نرتبها بالطريقة نفسها، ونستخدم الأبجدية ذاتها، لكنها تخرج من إنسان كأنها ماء عذب، وتخرج من آخر كأنها حجارة تلقى في وجه الحياة. فهل السر في الحروف، أم في القلوب التي تسكن خلفها؟

تأملت يوماً كيف تستطيع كلمة واحدة أن تغير مزاج إنسان طوال يومه، وكيف يمكن لعبارة عابرة أن تمنح شخصاً متعباً قوة لم يكن يعلم أنها ما زالت بداخله. قد لا نتذكر ملامح من قالها، ولا المكان الذي سمعناها فيه، لكننا نتذكر الشعور الذي تركته. ولعل هذا هو السر الجميل في الكلمات الصادقة، أنها لا تحتاج إلى ذاكرة قوية كي تبقى، لأنها لا تستقر في العقل وحده، بل تجد لها مكاناً في القلب. وكم من إنسان أنقذته كلمة تشجيع في لحظة يأس، وكم من حلم عاد إلى الحياة لأن أحدهم قال لصاحبه: أنت تستطيع.

والغريب أننا نتعامل مع الكلمات أحياناً وكأنها شيء مجاني لا قيمة له، نوزعها بلا حساب، ونطلقها دون أن نفكر أين ستسقط. ننسى أن بعض القلوب تشبه الزجاج، لا يظهر شرخها من الخارج، لكنها تحمل في داخلها آثار كلمات قاسية قيلت منذ سنوات. قد يعتذر صاحب الكلمة وينسى، لكن من تلقاها قد يظل يسمع صداها كلما مر بموقف يشبه ذلك الموقف القديم. وفي المقابل، هناك كلمات حنونة لا يبهت لونها مهما تقدمت بنا الأيام، كصوت أم كانت تطمئن طفلها، أو معلم اكتشف موهبة تلميذ لم يكن يؤمن بنفسه، أو صديق قال في لحظة انكسار: أنا هنا، ولن أتركك وحدك.

ولعل أجمل ما في الحروف أنها لا تعرف الفقر والغنى، ولا تفرق بين صاحب منصب وإنسان بسيط. فقد يكتب أديب عشرات الصفحات فلا يصل إلى قلب قارئه، بينما تكتب أم لا تجيد فنون البلاغة رسالة قصيرة لابنها، فيحتفظ بها طوال عمره. ليست البلاغة دائماً في جمال التعبير، بل أحياناً في صدق الشعور. فالكلمات التي تكتب لإبهار العيون قد تنتهي بانتهاء القراءة، أما الكلمات التي تكتب من أعماق الروح فإنها تبدأ حياتها الحقيقية بعد أن نطوي الصفحة.

ومن هنا أتساءل: كم مرة كتبنا رسالة ثم تراجعنا عن إرسالها؟ وكم مرة أردنا أن نقول لشخص إنه عزيز علينا، لكننا أجلنا الكلام إلى وقت آخر؟ نحن نؤجل الكلمات الجميلة وكأن العمر يمنحنا ضماناً بأن الغد سيأتي ومعه الأشخاص أنفسهم. نحتفظ بالامتنان في صدورنا، ونؤخر الاعتذار، ونخجل أحياناً من التعبير عن المحبة، بينما نسارع إلى إعلان الغضب والعتاب. وما أكثر الكلمات التي ماتت في صدور أصحابها، وما أكثر القلوب التي انتظرت سماعها ولم تسمعها.

والكتابة، في جوهرها، ليست أن نمسك قلماً ونملأ ورقة بيضاء، بل أن نمنح شيئاً من أرواحنا فرصة للحياة خارج أجسادنا. لهذا أحب الأقلام، وأرى فيها شيئاً من سحر الإنسان. قطعة صغيرة بين الأصابع، لكنها تستطيع أن تحمل حكاية وطن، أو تحفظ ذكرى حبيب، أو توثق حلماً، أو تكتب رسالة تصل بعد سنوات إلى شخص لم نلتقِ به يوماً. وربما لهذا بقيت رسائل قديمة في صناديق خشبية، واحتفظ الناس بأوراق أصفرت أطرافها، ليس لأن الورق ثمين، بل لأن المشاعر التي سكنت بين سطوره لا يمكن شراؤها من جديد.

ومع كل ما منحنا إياه العصر من سرعة في التواصل، أشعر أحياناً أننا أصبحنا نكتب أكثر ونقول أقل. نرسل عشرات الرسائل في اليوم، لكن كم رسالة منها تحمل شعوراً حقيقياً؟ نستخدم وجوهاً مبتسمة وقلوباً ملونة، ونختصر عواطفنا في رموز صغيرة، بينما قد يكون هناك إنسان على الطرف الآخر لا يحتاج إلى صورة قلب، بل إلى جملة صادقة يشعر معها أنه ليس وحيداً. فالتكنولوجيا قربت المسافات بين أصابعنا، لكنها لم تضمن أن تقترب القلوب من بعضها.

وأعود إلى تلك الصورة الجميلة لقلم أنيق، فأفكر أن قيمته الحقيقية ليست في الذهب الذي يزينه، ولا في النقوش التي تغطي جسده، بل في الكلمات التي سيتركها على الورق. فقد يحمل أغلى قلم في العالم إنسان لا يكتب إلا ما يؤذي، وقد يحمل طفل قلماً رخيصاً فيكتب لأمه: أحبك، فتكون كلمته أثمن من كل الذهب. وهنا نفهم أن جمال الحروف لا يأتي من فخامة الأقلام، وإنما من نقاء المنابع التي تخرج منها.

فليتنا قبل أن نكتب أو نتحدث، نسأل أنفسنا سؤالاً صغيراً: هل ستترك كلماتي وردة في قلب أحدهم، أم جرحاً يحتاج إلى سنوات كي يلتئم؟ ليس المطلوب أن تكون كلماتنا جميلة دائماً، فالحقيقة أحياناً مؤلمة، والنصيحة قد تكون قاسية، لكن حتى الحقيقة يمكن أن تقال برحمة، وحتى العتاب يمكن أن يحمل محبة.

وفي النهاية، قد ينسى الناس ما ارتدينا، وما امتلكنا، وربما ينسون كثيراً مما أنجزنا، لكنهم نادراً ما ينسون كيف جعلناهم يشعرون. فاختاروا حروفكم كما تختارون هدية لمن تحبون، وضعوا فيها شيئاً من الصدق، وقليلاً من الحنان، وكثيراً من الإنسانية. فالأقلام تجف، والأوراق تصفر، والأصوات تغيب، لكن بعض الكلمات تظل حية بعد أصحابها بسنوات طويلة.

وما أجمل أن نغادر حياة الآخرين، وتبقى كلماتنا فيها كنافذة يدخل منها الضوء، لا كجرح كلما تذكروه عاد إليهم الألم.

  • Related Posts

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    كتبت : حنان المطوع بعد أربعة وأربعين عاماً، عاد التاريخ ليفتح إحدى صفحاته الملكية، حين استقبلت بريطانيا السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، في زيارة دولة أعادت إلى الذاكرة زيارة…

    Read more

    Continue reading
    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    كتب : مصطفى محمد اتحاد الكرة يعلن مواجهات دور الـ32.. وصدامات مرتقبة في الطريق إلى النهائي أسفرت قرعة دور الـ32 من بطولة كأس مصر لكرة القدم للموسم الرياضي 2026-2027، التي…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أكثر من 300 رسالة أمل للمكفوفين.. الدكتور محمد الحوسني يقود مبادرة عربية تصنع «نقطة تحول» في مصر.

    أكثر من 300 رسالة أمل للمكفوفين.. الدكتور محمد الحوسني يقود مبادرة عربية تصنع «نقطة تحول» في مصر.

    مجدي يعقوب… الرجل الذي لم يكتفِ بإصلاح القلوب، بل أعاد إليها الأمل

    مجدي يعقوب… الرجل الذي لم يكتفِ بإصلاح القلوب، بل أعاد إليها الأمل