صرخات بلا صوت..أزمة صامتة لجيل يحتاج إلى إنقاذ.

بقلم: هدى إيهاب الدين

في ظل التقدم التكنولوجي والمقارنات الوهمية، و وسط دوامة الحياة وتسارع أحداثها الذي يأخذ الأهل من أولادهم، لمحاولة توفير حياة كريمة لهم.. هناك جيل كامل يصرخ في صمت المعاناة .

تشهد فترات المراهقة ارتفاعًا ملحوظًا في معدل المشاكل النفسية بين الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عامًا، لتصبح قضية صحية عامة لها تأثيرات اجتماعية عميقة. وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن واحدًا من بين كل سبعة مراهقين يعاني من اضطرابات نفسية، وأن الانتحار يحتل المرتبة الثالثة بين أسباب الوفاة في الفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا، مما يسلّط الضوء على حجم التحديات التي تواجه هذه الفئة العمرية، ويجعلنا بحاجة لوقفة حاسمة تحد من آلامهم.

ما الذي يجعل المراهقون عرضة للإصابة بالأمراض النفسية؟

في هذه المرحلة العمرية، تتفاعل مجموعة من العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية لتشكّل بيئة خصبة لظهور الاضطرابات النفسية ، من أبرزها:

التغيرات الجسدية والعاطفية والاجتماعية التي تطرأ خلال فترة النمو، والتي قد تزيد من التوتر والقلق لدى الفرد.

الضغط الأكاديمي والاجتماعي، إضافة إلى الرغبة في الانتماء وتكوين الهوية الذاتية، ما قد يفاقم الشعور بالضغط النفسي.

التأثيرات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث يرى عدد كبير من المراهقين أن للمنصات الرقمية تأثيرًا سلبيًا على ثقتهم بالنفس وجودة نومهم وتصوّرهم الذاتي.

التنمر والاعتداء، الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بزيادة احتمال الإصابة بمشكلات نفسية مثل الاكتئاب واضطرابات القلق وحتى اضطراب ما بعد الصدمة، ما يؤكد نتائج دراسات تربط التجارب السلبية في المدرسة أو المجتمع بضعف الحالة النفسية.

ما هي الأمراض النفسية المنتشرة في مرحلة المراهقة؟

في هذه المرحلة العمرية تكون الشخصية هشة،ضعيفة لم تكتمل بعد، ما يفقد المراهق القدرة على التعامل مع الأمور المحيطة باتزان .

فنجد أن الاضطرابات النفسية الأكثر انتشارًا بين المراهقين تتلخص في:

الاكتئاب والقلق، اللذان يؤثران على الأداء الدراسي والعلاقات الاجتماعية وقد يؤديان إلى العزلة والانسحاب. ويعد القلق سادس الأسباب الرئيسية المؤدية إلى المرض بالنسبة للمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 سنوات و14 سنة. كما يشكل الاكتئاب رابع الأسباب الرئيسية المؤدية إلى المرض في صفوف المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 سنة، طبقا لتقرير حديث لمنظمة الصحة العالمية نشر في 19 نوفمبر 2021.

اضطرابات الأكل والقلق من الوزن والمظهر “وغالبًا ما تقترن بالاكتئاب”.

السلوكيات المجازفة والميول الانحرافية مثل تعاطي المخدرات أو الكحول،

 اضطرابات سلوكية ونقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD)، التي قد تؤثر على الانتباه والتحصيل الدراسي.

كما أن الانتحار وإيذاء النفس يمثلان مخاطر حقيقية في هذه الفئة، خاصة عند عدم تلقي الدعم والعلاج في الوقت المناسب.

التحديات في التشخيص والعلاج

رغم انتشار هذه الحالات، تظهر مجموعة من العقبات في كشفها ومعالجتها، من أهمها:

-الوصمة الاجتماعية التي تمنع الكثير من الشباب من الاعتراف بوجود مشكلة وطلب الدعم.

-نقص الخدمات الصحية النفسية، وارتفاع أسعارها نسبياً، ما يترك العديد من الحالات دون علاج فعال.

-الوعي المحدود لدى الأسر والمدارس بأعراض الاضطرابات النفسية وكيفية التعامل معها.

الحلول الممكنة ودور المجتمع

يشدد الخبراء على أهمية نهج شمولي ومتعدد المستويات لتعزيز الصحة النفسية للمراهقين والشباب، ويشمل ذلك:

-التدخل المبكر عبر المدارس والمجتمعات المحلية للتنبؤ بالمشكلات وتقديم الدعم النفسي قبل تفاقمه .

-تعزيز برامج الوقاية والتوعية لتخفيف الوصمة وتحفيز طلب المساعدة.

-إدماج خدمات الصحة النفسية في أنظمة الرعاية الأولية لضمان إمكانية الوصول إلى العلاج بجودة عالية.

دور الآباء

في الغالب، لن يتجاهل الآباء إصابة أحد أبنائهم بكسر في العظام أو تورم ملحوظ في الصدر. لكن، عندما يتعلق الأمر بظهور بوادر لاعتلالات نفسية، في كثير من الأحيان تستمر الأعراض دون علاج لأشهر أو حتى سنوات.

وقد لا يتعرف بعض الآباء على العلامات التحذيرية لإصابة أبنائهم باضطراب نفسي في سن المراهقة. كما قد تتخوف بعض الأسر من وسم ابنهم بـ “مريض نفسي” إذا طلبوا المساعدة.

لكن الأطباء يجمعون على أن التدخل المبكر والعلاج المناسب هو المفتاح لمساعدة المراهق. ويؤكد خبراء الصحة أن غالبية الاضطرابات النفسية خلال سن المراهقة قابلة للعلاج، وأن الخطورة الحقيقية تكمن في عدم طلب المساعدة المتخصصة مما يفاقم من الاضطراب البسيط ويحوله إلى مرض يستغرق علاجه فترات أطول.

وتقول إيمي مورين، الأخصائية النفسية ومدربة القوة العقلية، في مقال طبي لها: “في بعض الأحيان، يكافح الآباء للاعتراف بشكوكهم في أن ابنهم المراهق قد يكون مصابا بمرض عقلي. لكن من غير المرجح أن يؤدي تجاهل المشكلة إلى حلها. في الواقع، بدون علاج، من المرجح أن تزداد الصحة العقلية لابنك المراهق سوءا”.

وتضيف مورين: “بدون العلاج المناسب، قد يميل ابنك المراهق إلى تجربة العلاج الذاتي. قد يصلون إلى المخدرات أو الكحول أو الطعام أو غيرها من العادات غير الصحية التي تخفف آلامهم مؤقتا. في النهاية، يضيف العلاج الذاتي المزيد من المشاكل إلى حياة ابنك المراهق”.

“إذا أدلى ابنك المراهق بتعليقات حول رغبته في إيذاء نفسه أو قتل نفسه، فخذ الأمر على محمل الجد. لا تفترض أنهم يقولون تلك الأشياء فقط “لجذب الانتباه” أو “لأنهم غاضبون” اعتبر مثل هذه التعليقات علامة تحذير خطيرة على أن ابنك المراهق يعاني”، تؤكد الأخصائية النفسية.

ويجب على الآباء ملاحظة الأبناء خلال فترة المراهقة ومحاولة احتضانهم وتفهم مشاكلهم وطلب المساعدة حال ظهور علامات على اضطراب نفسي أو عقلي يحتاج المساعدة المتخصصة.

ففي ظل التغيرات السريعة التي تشهدها المجتمعات، وعلى وجه الخصوص الضغط الناتج عن التكنولوجيا، والتعليم، والاقتصاد، بات من الضروري أن توضع الصحة النفسية للمراهقين على رأس أولويات السياسات العامة، لأنها ليست مجرد مرحلة عابرة، بل لبنة أساسية في بناء مجتمعات صحية ومستقرة.

  • Related Posts

    قليل الأصل… وجهان لنفس الكلمة

    كتبت : حنان المطوع في العلاقات، احياناً يصير زعل، بعد، قطيعة، أو سوء فهم، وكل طرف يشوف نفسه على حق. كل واحد يعتقد أن الثاني هو اللي تغير، نسى، قصر،…

    Read more

    Continue reading
    من اعتاد أن يوزع الورد… حتماً سيظل عطره بيده

    كتبت : حنان المطوع ليس كل ما نعطيه يرحل عنا، فهناك أشياء كلما منحناها للآخرين ازدادت حضوراً في أرواحنا. كالوردة حين تهدى، قد تنتقل من يد إلى يد، لكن شيئاً…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قليل الأصل… وجهان لنفس الكلمة

    قليل الأصل… وجهان لنفس الكلمة

    من اعتاد أن يوزع الورد… حتماً سيظل عطره بيده

    من اعتاد أن يوزع الورد… حتماً سيظل عطره بيده

    محمود باتيستا … حضور قوى وأدوار متنوعة على الشاشة المصرية

    محمود باتيستا … حضور قوى وأدوار متنوعة على الشاشة المصرية

    لكاف يوجه ضربة استباقية لاتحاد الكرة.

    لكاف يوجه ضربة استباقية لاتحاد الكرة.

    أجهزة يجب فصلها قبل مغادرة المنزل.

    أجهزة يجب فصلها قبل مغادرة المنزل.

    هل يتأثر صلاح.

    هل يتأثر صلاح.