كتب : حنان المطوع

ليس الذكاء دائماً في قوة الرد، بل أحياناً في سرعة الملاحظة قبل أن يبدأ الحوار.
حين أُرسل القاضي أبو بكر الباقلاني سفيراً إلى ملك الروم، أراد الملك أن يختبره قبل أن يسمع منه كلمة واحدة.
فكان المدخل المؤدي إلى مجلسه منخفضاً على نحو يجبر الداخل على الانحناء عند العبور، في محاولة لإظهار الخضوع لهيبة الملك.
لكن الباقلاني أدرك المقصود من اللحظة الأولى وحين وصل إلى الباب لم يتصرف كما كان متوقعاً، بل دخل إلى المجلس بظهره، متراجعاً إلى الخلف، حتى عبر الباب دون أن ينحني للملك بوجهه و كانت حركة سريعة، لكنها كشفت عن عقل حاضر استطاع أن يفهم المقصود من الموقف وأن يتعامل معه في لحظات.
لم يكن الأمر مجرد حيلة ذكية، بل كان دليلاً على قوة الملاحظة وسرعة البديهة. فهناك من يرى ما أمامه فقط، وهناك من يقرأ ما وراء التفاصيل. والباقلاني كان من أصحاب النظرة الثانية؛ إذ فهم أن الباب لم يكن مشكلة هندسية، بل رسالة أراد الملك إيصالها، فاختار أن يرد على الرسالة بالفعل لا بالكلام.
ولهذا بقيت هذه الحادثة حاضرة في كتب التاريخ، لأنها تكشف أن الذكاء لا يظهر دائماً في المناظرات والخطب، بل قد يظهر في موقف عابر لا يستغرق سوى ثوانٍ، لكنه يترك أثراً يمتد لقرون






