كتبت : حنان المطوع

هناك أيام تمر بنا عادية جدا، حتى إننا لا نتوقف عندها طويلا. نستيقظ، نذهب إلى أعمالنا، نلتقي بمن نحب، نتحدث، نضحك، ثم ينتهي اليوم كما بدأت أيام كثيرة قبله. ولا يخطر في بالنا أن لحظة واحدة من ذلك اليوم قد تكون أهم من سنوات كاملة عشناها.
نحن عادة نبحث عن اليوم الكبير في حياتنا. اليوم الذي تخرجنا فيه، أو تزوجنا، أو حققنا فيه نجاحا انتظرناه طويلا. نحتفظ بتفاصيل تلك الأيام في ذاكرتنا، ونطلق عليها اسم الأيام التي لا تنسى.
لكن ربما يكون أجمل ما في الحياة أن أهم أيامنا قد لا تأتي بالشكل الذي نتوقعه.
ربما يكون يوما عاديا جدا، لم نرتد فيه ثوبا جديدا، ولم نلتقط فيه صورة، ولم يصفق لنا أحد.
ربما كان يوما رأينا فيه انسانا يحتاج إلينا، فاقتربنا منه بدلا من أن ندير ظهورنا.
ربما كان يوما امتلكنا فيه القدرة على الرد، واخترنا الصمت حتى لا نكسر قلبا.
ربما كان يوما استطعنا فيه أن نؤذي شخصا، لكن شيئا في داخلنا قال لنا: لا تفعل.
وربما كان يوما احتاج فيه أحدهم إلى كلمة، فأعطيناه كلمات لم نعرف وقتها أنها ستبقى في قلبه سنوات.
أحيانا لا نعرف قيمة ما نفعله في لحظته، لأن الأشياء العظيمة لا تأتي دائما في صورة عظيمة.
قد تكون يد امتدت في الوقت المناسب.
وقد تكون كلمة أعادت إلى انسان ثقته بنفسه.
وقد تكون لحظة صبر منعت خصاما من أن يتحول إلى قطيعة.
وقد تكون مساعدة صغيرة لم نر فيها شيئا استثنائيا، بينما كان الطرف الآخر يراها طوق نجاة.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في الحياة: نحن نخطط للأيام التي نريد أن نتذكرها، بينما بعض الأيام هي التي تختار أن تبقى في ذاكرتنا من دون أن نستعد لها.
وربما هناك يوم في حياتك لم يأت بعد، ستفهم بعد سنوات أنه كان نقطة تحول.
ستلتقي فيه بشخص لم تكن تعرف أنك ستغير حياته، أو يقول لك أحدهم كلمة تغير طريقك، أو تتخذ قرارا صغيرا يبدو عاديا في لحظته، ثم تكتشف لاحقا أنه كان من أهم قرارات عمرك.
لذلك لا تستهين باللحظات الصغيرة.
لا تقل إن ما فعلته بسيط.
ولا تظن أن الخير يحتاج دائما إلى مناسبة كبيرة حتى يكون له معنى.
فالحياة لا تقاس فقط بما حققناه لأنفسنا، وإنما بما تركناه في قلوب الآخرين ونحن نعبر طريقهم.
وقد يأتي يوم تنظر فيه إلى الوراء، فلا تتذكر السيارة التي اشتريتها، ولا المكان الذي سافرت إليه، ولا الأشياء التي جمعتها، بقدر ما تتذكر وجها ابتسم لأنك كنت لطيفا معه، أو انسانا شعر بالأمان لأنك وقفت بجانبه، أو قلبا لم ينكسر لأنك اخترت في لحظة ما أن تكون رحيما.
وربما يكون أجمل ما يمكن أن نفعله كل صباح أن نعيش يومنا كما لو أننا لا نعرف أي لحظة فيه ستصبح الأهم.
أن نكون لطفاء قدر استطاعتنا.
أن نترك خلفنا أثرا طيبا.
أن نعطي دون أن ننتظر التصفيق.
وأن نفعل الخير حتى عندما لا يرانا أحد.
فقد يكون هذا اليوم الذي نراه عاديا الآن هو اليوم الذي سيحمل لنا، دون أن ندري، واحدة من أجمل صفحات العمر.
نحن لا نعرف متى تأتي اللحظة التي تغير كل شيء.
لكننا نستطيع أن نجعل كل لحظة قابلة لأن تكون جميلة.
وهذا، ربما، هو المعنى الحقيقي ليوم العمر.






