كتبت : حنان المطوع

في طريق العودة إلى بيتها، كانت نملة صغيرة تحمل قوت يومها، تسير بخطوات ثابتة تعرف طريقها، لا تطلب أكثر مما تحتاج، ولا تفكر إلا في الوصول بما جمعته إلى بيتها.
لكن في منتصف الطريق، وقعت أمامها قطرة عسل… كانت قطرة صغيرة، لكنها حملت في داخلها لذة كبيرة. اقتربت منها، تذوقت قليلا، ثم قالت في نفسها: سأخذ منها ما يكفيني وأعود.
لكن الطعم أعجبها، فعادت مرة أخرى… ثم مرة ثالثة، وكلما أخذت شيئا شعرت أنها تريد المزيد. نسيت طريقها، ونسيت هدفها، وأصبحت أسيرة لتلك القطرة التي بدأت صغيرة، ثم تحولت إلى بحر من الرغبة.
حاولت النملة أن ترحل، لكنها اكتشفت أنها غرقت في العسل، فلم تعد قادرة على الحركة. كان الشيء الذي أسعدها للحظات هو نفسه الذي سلب منها حريتها.
وهكذا هي الدنيا… قد تقدم لنا أحيانا قطرات من العسل، لحظات جميلة، أموالا، شهرة، أو ملذات تبدو بلا نهاية. وليس الخطأ أن نستمتع بنعم الحياة، فالجمال موجود لنراه، والفرح موجود لنعيشه، ولكن الخطر أن يتحول الاستمتاع إلى تعلق، وأن يصبح ما نملكه هو من يملكنا.
فالعاقل لا يحرم نفسه من العسل، لكنه يعرف متى يكتفي. يأخذ منه ما يقويه، لا ما يغرقه. يعرف أن بعض الأبواب إن دخلناها بلا حدود قد يصعب علينا الخروج منها.
ولعل حكمة النملة ليست في أنها أحبت العسل، بل في أنها نسيت طريق العودة.
فليست المشكلة في نعمة نعيشها، بل في قلب لا يعرف الاكتفاء.
فالحياة مقطرة عسل كبيرة… من أخذ منها بقدر عاش حرا، ومن حاول أن يمتلكها كلها غرق فيها.
فالنجاة ليست في أن نبتعد عن جمال الدنيا، بل أن نعرف كيف نقترب منها دون أن نفقد أنفسنا.




