الممثل الجيد يعرف أين ومتي وكيف يصمت.

مجرد كلام عن التمثيل والممثلين :
حديث عن ( الإيقاع ) و ( الصمت ) في الأداء التمثيلي :
مع الإعتذار مقدما عن الإطالة ، لصعوبة الاختصار غير المخل ..
الإيقاع : Rhythm
يبدو أنه مفهوم ملغز إلي حد ما ..
ولكن يمكن القول أنه بشكل عام ، عبارة عن وحدات متكررة ، أما بشكل متشابه او متنوع ومختلف ، وهو يرتبط ولاشك بالادراك السمعي او البصري ، فهناك إيقاع سمعي يعد تشكيلا في الزمن ، وايقاع بصري يعد تشكيلا في المكان او الفراغ ..
وبهذا المعني يوجد الإيقاع في كل ما هو حولنا في الحياة ، بداية من أول إيقاع نسمعه ونحن في الأرحام ، وهو دقات قلب الأم ، الي دقات قلوبنا نحن فيما بعد ، وكذلك إيقاع توزيع الأثاث في منازلنا ، علي سبيل المثال ..
كذلك يوجد الإيقاع في كل منا ، صوتيا وحركيا ، معبرا عن شخصياتنا ، وهو ما يميز كل منا عن الآخرين ويجعلنا مختلفين كبصمات الأصابع ..
يعد الصمت في الإيقاع السمعي او الفراغ في الايقاع البصري ، جزء حيوي من الإيقاع بشكل عام ، فهو ما يتيح للمخ ان يستوعب الوحدة السابقة ، ثم يستعد لاستقبال الوحدة التالية ..
غالبا ما يكون الإيقاع في الحياة عشوائي او غير منظم او رتيب لتشابه الوحدات وعدم اختلافها ، ولذا ننصرف في معظم الأحيان عن إدراكه ، فحين تتكرر الوحدات الصوتية او المرئية حولنا ( كدقات ساعة الحائط مثلا ) ينصرف المخ عن ترجمة ما تعني توفيرا للطاقة فهي لا تحمل جديدا ، وبالتالي تصبح غير مسموعة ، كذلك تنصرف العين عن تتبع الوحدات المرئية المتشابهة ، والمكدسة دون فراغ بينها ..
وحين تختلف هذه الوحدات وتتنوع بشكل او آخر ، ينتبه الذهن محاولا تفسير معناها .. وهنا يصبح الإيقاع جيدا لأنه يحقق الهدف منه ، وهو جعل الذهن في حالة يقظة دائمة ، ولكن لابد أن نلاحظ أن الاختلاف والتنوع في هذه الوحدات ، سواء سمعية او بصرية ، ليس مجرد أي اختلاف ، فالمخ لا يدرك الوحدات الجديدة فقط ، وإنما يقارن بينها وبين ما سبقها من حيث علاقتهما معا ، ومدي التوافق والانسجام بينهما ، فقد يكون الاختلاف حاد ومنفر ، ولا يمكن قبوله ..
في الفن بشكل عام ، يصبح الإيقاع الجيد ، متنوع الوحدات ، لازما وضروريا ، فهو عماد العمل الفني لجذب الانتباه والاحتفاظ بذهن المتلقي يقظا ، كما يتضح في الموسيقي مثلا ، وفي الفن التشكيلي ، هذا بالإضافة إلي قيمته الجمالية ..
الإيقاع في الأداء التمثيلي :
في الأداء التمثيلي هناك إيقاع مسموع ، يتمثل في الأداء الصوتي لجمل الحوار ، وكذلك إيقاع مرئي يتمثل في حركة الشخصية ، وبالطبع لابد أن يكون هذا الإيقاع، هو إيقاع الشخصية الدرامية ، لا إيقاع الممثل نفسه ..
وتعد قدرة الممثل علي تجسيد إيقاع الشخصية الدرامية صوتيا وحركيا ، من أهم عوامل تمكنه كممثل ، وهو أمر يتطلب بالضرورة تخلي الممثل عن إيقاعه الشخصي ، وهو ما لا نجده عند بعض نجومنا الكبار ، حيث تصبح جميع الشخصيات الدرامية التي يؤديها ذات إيقاع، صوتي وحركي واحد ، هو إيقاع الممثل نفسه ..
ويعبر إيقاع الشخصية ، سواء كان مرئيا أو مسموعا ، عن طبيعة الشخصية من حيث الطبقة الاجتماعية ، والسمات النفسية ، وكذلك الحالة الشعورية في اللحظات الدرامية المختلفة ، وايضا حالتها الجسمية ( كالمرض او التعب والإجهاد مثلا ) وهو ما يمكن اعتباره إيقاعا داخليا لها ، وقد تحدث استانسلافسكي عن هذا الشكل من الإيقاع ، وفي الغالب يتوافق الإيقاع الخارجي مع الإيقاع الداخلي ، ونادرا ما يختلفا وربما يتناقضا ، كما في محاولة كتم الغضب او التوتر مثلا او إخفاء عاطفة ما عن الآخرين ..
ويختلف إيقاع الأداء بأختلاف النوع الدرامي من كلاسيكي او واقعي او فانتازيا او كوميدي ، كذلك دراما الإثارة والأكشن والرعب وغيرها ..
يحدث التنوع والاختلاف في الإيقاع الصوتي للممثل بأختلاف الوحدات الصوتية ، ارتفاعا او انخفاضا ، ما بين الصراخ والهمس المسموع ، وكذلك بأختلاف زخم الصوت المعبر عن الانفعالات والمعاني المختلفة لجمل الحوار ، وهو ما يعرف بالتلوين الصوتي ..
ويختلف إيقاع الأداء التمثيلي كذلك بأختلاف الوسيط وبالتالي اختلاف وضعية المتلقي ، فالايقاع بشكل عام في المسرح والسينما يختلف عنه في الدراما التليفزيونية ، ففي هذه الأخيرة يكون المتلقي مشتت الذهن إلي حد ما ، فلديه الكثير مما يضطر ان يفعله أثناء المشاهدة ، علي خلاف مشاهد المسرح والسينما ، حيث المكان المظلم ، والمشاهد المنتبه تماما لما يشاهد .. وهو ما يتضح في طبيعة وشكل الكتابة الدرامية لكل منهم ، وهو ما ينعكس بالتالي علي إيقاع الممثل ..
كذلك يختلف إيقاع الأداء في السينما والتليفزيون عنه في المسرح ، ففي هذا الأخير يتحكم الممثل تماما في إيقاع أداءه التمثيلي ، علي حين تتدخل عوامل اخري ، كايقاع حركة الكاميرا والمونتاج ، في تحديد الشكل النهائي لهذا الإيقاع في كل من السينما والتليفزيون ..
لاشك أن إيقاع الأداء التمثيلي يتأثر بعوامل اخري منها مثلا وضع الجسم وحركته وإيقاع الممثل الآخر ، ووجود الموسيقي المصاحبة في العرض المسرحي ، مثلا وغير ذلك ..
وأخيرا نذكر كيف أنه في حالة الكوميديا ، يصبح الإيقاع الرتيب وتكرار نفس الوحدات سواء المسموعة او المرئية ، مثيرا للضحك أحيانا ، وهو بالطبع مثير للضحك لأنه يتسم بالآلية ..
الإيقاع التمثيلي الجيد إذن هو الإيقاع الذي يستطيع أن يحتفظ بذهن المتلقي منتبها ومتابعا بشغف ، لما يحدث امامه طوال الوقت ..
الصمت : Silence
لاشك أن الصمت هو أحد العناصر الأساسية في تحديد شكل الإيقاع في الأداء التمثيلي ..
الصمت لا يعني السكون ، فلا سكون في عملية التمثيل ، كما لا سكون في الحياة ، فالسكون مرادف للعدم ، ويقابل الصمت النطق بالكلمات ، فهو توقف عن إنتاج الكلام ، ولكنه لا يعني علي الإطلاق التوقف عن إنتاج المعني
قد يكون الصمت بين الكلمات او بين الجمل ، وهو يعبر في هذه الحالة عن بحث الشخصية عن الكلمات المناسبة للمعني المراد توصيله ( وبالطبع يفترض أن لا يكون الصمت هو صمت لمحاولة الممثل تذكر كلمات الحوار ) وقد يكون الصمت بديلا عن الكلمات ، معبرا عن معني عميق ومركب لا تستطيع الكلمات التعبير عنه بدقة ، وقد يكون أخيرا تعبيرا عن رد الفعل علي حدث ما او علي كلمات تنطق بها الشخصية الاخري ..
يؤدي الصمت دورا هاما في تأكيد أهمية بعض كلمات الحوار ، تبعا لهدف الشخصية الدرامية ، وذلك في حالة ما يعرف بالوقف او القطع المعلق ، فحين تأتي الكلمة بعد لحظة صمت يكون ذهن المتلقي فيها منتظرا لما سيأتي ، تكتسب هذه الكلمة أهمية خاصة دون غيرها من كلمات الجملة ..
وبشكل عام يقل الصمت في المسرح وفي الدراما التليفزيونية ، حيث يعتمد كل منهما علي الحوار بشكل أساسي ، أما في السينما فيختلف الحال حيث تعتمد السينما علي الصورة ، وتعد الأفلام التي يقل بها الحوار وتزداد فيها لحظات الصمت أكثر قيمة من الناحية الجمالية ، ويعود هذا إلي طبيعة التلقي في كل منهم ، كما سبق القول ..
يخاطب الصمت العين بينما تخاطب الكلمات الأذن ، فالصمت مرئي والكلام مسموع ، ولكن هذا لا يعني أن الصمت غير مسموع ، فنحن نسمع الصمت كما نسمع الكلمات ونتعرف عليه عن طريق الأذن .. ولما كان محتوي أي معني يصل إلي المتلقي ، عن طريق المرئي بنسبة 65 % ، وعن طريق المسموع بنسبة 35 % ، كان الصمت أكثر تأثيرا وتعبيرا من الكلمات ..
إن الكلمات تحدد المعني بدقة ، علي حين يترك الصمت المعني مفتوحا ، أي قابلا للعديد من التفسيرات ، وهو ما يعني أن الصمت يترك مساحة لخيال المتلقي ولرؤيته الخاصة ، فمع الصمت يشارك المتلقي في صياغة المعني ، ومن ثم يشارك في الحدث الدرامي ، ولهذا تحديدا يعد الصمت أكثر بلاغة من الكلمات ..
الممثل الجيد إذن هو من يعرف أين ومتي وكيف يصمت ، قبل أن يعرف أين ومتي وكيف يتكلم ..





