بقلم : حنان المطوع.
قبل أن يعترف بها العالمفي زمنٍ كان الطفل فيه يعامل كظل صغير لإنسانٍ مكتمل… لا ككائنٍ له عالمه الخاص، ولا كجسدٍ له قوانينه المختلفة… كان هناك رجل في القيروان يرى ما لا يرى، ويصغي لما لا يسمع.لم يكن بكاء الطفل عنده ضجيجاً… بل لغة.ولم يكن ضعفه نقصاً… بل طبيعة.ذلك الرجل هو ابن الجزار… الاسم الذي مر في كتب التاريخ بهدوء، بينما كانت أفكاره تحدث ضجيجاً لا يقاس.ولد في زمنٍ كان العلم فيه ينقل أكثر مما يكتشف، وكان الطريق إلى المجد العلمي يمر عبر تكرار ما قاله السابقون لا مجادلتهم. لكنه لم يكن من هذا النوع. كان ينظر إلى ما بين السطور، إلى الفراغات التي لم يلتفت لها أحد. يتعلم، نعم… لكنه كان يتساءل أكثر مما يحفظ.كيف يمكن أن يكون الطفل مجرد نسخة مصغرة من رجل؟كيف يعالج الجسد الصغير بنفس منطق الجسد الكبير؟ولماذا لا يملك هذا الكائن الضعيف علماً يخصه؟أسئلة بسيطة في ظاهرها… لكنها كانت كافية لتضعه خارج السائد.في الوقت الذي كان فيه الأطباء يتنافسون على معالجة الكبار، خاصة ذوي النفوذ، التفت هو إلى من لا صوت لهم. إلى أولئك الذين لا يستطيعون شرح ألمهم، ولا التعبير عن خوفهم، ولا حتى تحديد ما يؤلمهم. التفت إلى الطفل… لا كحالة طبية، بل كقضية.وهنا حدث التحول.ولم يكن ما قدّمه مجرد اجتهاد عابر، بل كان أقرب إلى اختراعٍ هادئ لا يرى… اختراع في طريقة الفهم قبل أن يكون في أدوات العلاج. فقد أعاد ابن الجزار تعريف الطفولة نفسها، حين فصلها عن عالم الكبار، ومنحها علماً يليق بها. وفي كتابه سياسة الصبيان وتدبيرهم، لم يكتفِ بوصف الأمراض، بل وضع أساساً لرؤيةٍ جديدة ترى في الوقاية أسلوب حياة، وفي التفاصيل الصغيرة مفتاحاً للصحة.

ثم مضى أبعد من ذلك، حين جعل العلم في متناول الناس، وحول المعرفة من نخبةٍ مغلقة إلى رفيقٍ يومي، خاصة في زاد المسافر وقوت الحاضر، حيث صار الكتاب طبيباً متنقلًا. لم يخترع آلة، لكنه اخترع زاوية نظر… وتلك، أحياناً، أعظم الاكتشافات.لم يكتب وصفة… بل كتب فهماً. لم يعالج عرضاً… بل أعاد تعريف المريض نفسه. في كتابه الذي حمل عنواناً بسيطاً وعميقاً في آنٍ واحد، لم يتحدث عن الأمراض فقط، بل عن الحياة التي تسبقها. عن الرضاعة، عن توقيتها، عن أثرها في بناء الجسد. عن الطعام، ليس كملءٍ للمعدة، بل كعاملٍ يصنع الصحة أو يهدمها. عن النوم، عن الهواء، عن النظافة… عن تفاصيل تبدو عادية، لكنها كانت في زمنه أقرب إلى اكتشاف.والأغرب من ذلك… أنه لم يتوقف عند الجسد.كان يرى أن الطفل لا يمرض بجسده فقط، بل بخوفه، بقلقه، باضطرابه. وكأن هذا الطبيب الذي عاش قبل أكثر من ألف عام، كان يلمس خيطاً لم يسمه العلم إلا بعد قرون: العلاقة بين النفس والجسد. لم يكن لديه مختبرات حديثة، ولا أجهزة دقيقة… لكن كان لديه شيء آخر، أكثر ندرة: ملاحظة صادقة، وعقل لا يرضى بالسطح.ولأنه لم يكن طبيباً للنخبة فقط، فقد كتب للناس… لا عنهم. وضع وصفات يمكن أن تحضر في البيوت، وعلاجات لا تحتاج إلى ثروة، ونصائح يفهمها من لا يقرأ الطب. كان يدرك أن العلم إن لم يصل إلى البسطاء، يبقى ناقصاً… مهما بدا متقناً.ثم جاءت فكرته التي تبدو اليوم عادية، لكنها في زمنه كانت أقرب إلى مغامرة عقلية… أن يحمل الإنسان طبه معه. في كتابه الذي عرف كرفيق للمسافر، لم يكتف بالتنظير، بل قدم دليلاً عملياً، كأنك تحمل طبيباً بين صفحات. لم يكن السفر آمناً، ولا الوصول إلى طبيب أمراً مضموناً، لكنه اختصر المسافة بين المرض والعلاج في كتاب.الغريب أن كثيراً مما كتبه، نقرأه اليوم وكأنه مقتبس من مقالات طبية حديثة. الحديث عن الوقاية، عن الغذاء، عن الصحة النفسية، عن خصوصية الطفل… كل ذلك أصبح اليوم بديهياً. لكن البديهيات نفسها، كانت يوماً فكرة جريئة قالها رجل، ولم يسمعها أحد كما يجب.وهنا تكمن المفارقة التي لا تريح.نحن نعيش اليوم في عالم يفتخر بتخصصاته الدقيقة، ونفصل فيه بين طب الأطفال وطب الكبار، ونكتب الأبحاث عن نفسية الطفل، وننصح بالأكل الصحي، والنوم المنتظم، والبيئة النظيفة… ثم نكتشف، بهدوءٍ يكاد يكون محرجاً، أن رجلاً في القيروان كان قد سبقنا إلى ذلك كله.لكن الفرق ليس في المعرفة… بل في الاعتراف.لم يكن ابن الجزار يبحث عن مجد، ولا عن تصفيق. كان يكتب لأن هناك خطأ يجب تصحيحه، وكان يرى أن الطفل يستحق أكثر من مجرد عناية عابرة. كان يؤمن، ربما دون أن يقولها صراحة، أن بداية الإنسان لا تقل أهمية عن نهايته… وأن من يفهم الطفولة، يفهم الحياة كلها.ثم رحل… كما يرحل كثيرون ممن يسبقون زمنهم.بهدوء، دون ضجيج يوازي ما قدمه.لكن أفكاره لم ترحل.بقيت تتسلل إلى كتبٍ أخرى، وأزمنةٍ أخرى، حتى أصبحت يوماً ما… ما نسميه اليوم “علماً”.






