**من نحن…؟

كتبت : حنان المطوع .

**من نحن…؟

رحلة في الذاكرة إلى الزمن الذي كان أكثر صدقا من قلوبنا**

في زمن تتسارع فيه الأيام كقطار لا ينتظر احدا،

وتتبدل فيه الملامح والقيم والمفاهيم،

يظل هناك ركن صغير في الذاكرة

يضيء كلما مرت به نسمة حنين…

ركن لا يزال يحتفظ بضحكات الطفولة،

وخوف الامتحانات، ورائحة الطباشير،

وبراءة كنا نظن أنها لن تزول.

هناك… في تلك الزاوية الضيقة من القلب،

ولدنا نحن.

نحن الذين كان الزمن يسير معنا لا ضدنا،

وكان العالم أرحب، وكانت القلوب أبسط،

وكان للحياة موسيقى لا يسمعها إلا من عاشها.

هل تعلمون من نحن؟

نحن أبناء الأيام التي صنعتنا من نور وطين،

من تعب جميل، ومن رضا لم يعد يشبه رضا

نحن الجيل الذي كان الطريق إلى المدرسة يشبه رحلة حج صغيرة؛

نخطوه بلا تذمر،

نمشيه تحت شمس الصيف وشتاء المطر،

نحمل حقائب أثقل من أكتافنا،

ومع ذلك كانت خطواتنا خفيفة كأنها تطير.

تسعة أشهر دراسية كانت العمر كله،

والمنهج كان كتابا واحدا

نفتحه من الجلد إلى الجلد

وكأننا نفتح بابا إلى المستقبل.

لم نعرف الملازم المختصرة،

ولا المعلمين الخاصين،

ولا الخيارات البديلة…

بل عرفنا قيمة الجهد،

وقيمة أن تنجح بعرقك لا بفلوسك.

جيل السبورة… لا شاشة الهاتف

نحن جيل “اكتب القطعة عشر مرات”

و “قم يا فلان إلى السبورة”.

جيل كانت دقات قلبه تتسارع

حين يكتب أمام الطلاب،

لكننا كنا نتعلم الشجاعة من تلك اللحظة،

وتكبر ثقتنا بأنفسنا كلما مسكنا الطباشير.

كنا نحمل كتبنا ملفوفة في سجادة صلاة،

نحترم العلم كاحترامنا للمحراب.

دخلنا المدرسة بلا هواتف،

بلا سماعات،

بلا انشغال عن درس أو معلم.

كنا نعيش اللحظة…

نسمع صوت المعلمة،

ورنين الجرس،

وهمسات الأصدقاء،

وصوت الحياة كما هو… خاما وصافيا.

جيل النشاط… قبل أن يصبح النشاط منشورا.

نحن جيل النشرات الحائطية والسباقات الرياضية،

الإذاعة المدرسية التي كانت منصة أولى لأحلامنا،

والمسرحية التي كنا نرتجف قبل صعود خشبتها

ثم نطير بعدها فرحا بالتصفيق.

جيل عرف قيمة المشاركة،

وقيمة الجماعة،

وقيمة أن يكون الإنسان جزءا من شيء جميل.

جيل القلوب الصلبة… والروح الحنونة.

نحن جيل لم ينهر من عصا المعلم،

ولم يضعف أمام ظروف الحياة،

جيل كانت أكتافه صغيرة…

لكن همته كبيرة.

لم نتعلق بمربيات،

ولا نساء أخريات،

فقلوبنا كانت تنبض باسم ام واحدة

لا نعرف بديلا لحضنها.

كنا نذاكر وحدنا،

ونكتب واجباتنا بأقلامنا،

وننجح بلا أي دفعة خارجية،

وكأن النجاح كان يعرف طريقه إلينا دون مساعدة.

نحن جيل كان يقبل المصحف عند فتحه وعند إغلاقه،

جيل عرف قدسية الكلمة،

وسكينة الآية،

و جمال أن تكون الروح نقية.

لم نكن نرقص على ضجيج الأغاني،

بل كنا نرقص على نبض الحياة،

وعلى وقع خطواتنا في الأزقة الهادئة،

وعلى النسيم حين يعانق الوجوه الصغيرة.

نحن الذين كنا نركض في طرقات قديمة

بلا خوف من غريب يترصدنا،

ولا لص يقطع طريقنا،

ولا خطر يتربص بنا.

كنا نلعب حتى الغروب،

وحين تنطفئ الكهرباء

ننام في فناء البيت أو فوق السطح،

نراقب النجوم

ونعدها نجمة نجمة

حتى يسرقنا النوم بين أحضان الريح.

كنا نلوح للطائرة بفرح

كأنها تحمل أمنياتنا إلى السماء،

ونحيي الشرطي بوقار

كأنه أحد أبطال الحكايات.

نحن جيل كان للوالدين فيه مهابة،

وللمعلم مكانة،

وللصداقة حرمة لا تمس.

كنا نتقاسم المصروف،

والسر،

والذكرى،

واللقمة،

وكأننا نملك الدنيا كلها.

كنا ننام وننسى الزلات،

نصفح بسرعة،

ونحب بصدق،

ونسامح بسهولة…

لأن قلوبنا كانت ناصعة مثل وجوهنا الصغيرة.

إهداء… لمن عاش معنا تلك الأيام

إلى كل من مر بتلك التفاصيل،

إلى من كانت طفولته تشبه سطر شعر،

وشبابه يشبه بداية قصة حب،

إلى من يشعر أن الماضي لم يكن زمناً…

بل كان وطنا يسكنه لا ينساه.

من قلب بقي وفيا لذاكرة لا تموت

يا أبناء ذلك الزمن الجميل،

يا من كبرتم ولم تكبر أرواحكم،

أسأل الله أن يظل الفرح مسكنا لقلوبكم،

وأن تبقى أيامكم مزهرة،

وأن تظل وجوهكم مشرقة كما كانت أيام المدرسة الأولى.

أسأل الله أن يعطيكم أطيب ما في الدنيا،

وأجمل ما في الجنة،

وأن يبارك في أعماركم…

ويكتب لكم اياما

تشبه تلك الأيام التي كنا فيها

أكثر صدقا،

أكثر نقاء،

وأقرب إلى السماء.

  • Related Posts

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    كتب : محمود هاشم تتقدم أسرة تحرير زهرة الخليج نيو بخالص الدعوات وأصدق الأمنيات بالشفاء العاجل للكابتن عمر نجاح، بطل العالم في كرة السرعة، بعد تعرضه لإصابة في الرباط الصليبي،…

    Read more

    Continue reading
    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    كتبت : حنان المطوع لم أكن أعلم أن زيارة عادية إلى عيادة الطبيبة ستتحول إلى حوار طريف عن العمر والشباب، ولا أن سؤالاً بسيطاً سيجعلني أستعيد أمامها فلسفة حياة لم…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك