مصر… المدينة التي أحببتها من أول زيارة

كتبت : حنان المطوع

هناك مدن نزورها، ومدن نعجب بها، ومدن نلتقط لها الصور ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئا لم يحدث.

لكن هناك مدينة واحدة، على الاقل بالنسبة لي، لم تكن زيارتها مجرد سفر…

كانت بداية حكاية.

مصر.

منذ أول مرة وطأت فيها أرضها، شعرت بشيء مختلف. كنت يومها قد تخرجت من الثانوية العامة، وكنت ما زلت في سن المراهقة، وكانت هديتي سفرة إلى مصر. لم أكن أعرف وقتها أن تلك الرحلة الصغيرة ستترك في داخلي أثرا يكبر معي عاما بعد عام، وأن البلد الذي ذهبت إليه كفتاة صغيرة سيصبح بعد ذلك واحدا من الأماكن التي أشتاق إليها كلما ابتعدت عنها.

كنت أحب مصر قبل أن أزورها.

كنت أحب حكاياتها، وراياتها، واسماء كتابها الذين كانوا يأخذونني إلى عوالم لم أرها بعيني بعد. كنت أقرأ إحسان عبد القدوس، وأعيش مع رواياته وشخصياته، وأتخيل القاهرة التي قرأت عنها، وأتخيل الشوارع والبيوت والقصور التي كانت تسكن صفحات الكتب.

ثم جاءت اللحظة التي رأيت فيها مصر للمرة الاولى.

وفجأة، خرجت مصر من صفحات الكتب وأصبحت أمامي.

منذ ذلك اليوم ارتبط قلبي بها.

ولم يكن السبب مكانا واحدا، ولا معلما واحدا.

ربما كان السبب ذلك الشعور الذي لا أعرف كيف أصفه تماما.

وأنت تقود السيارة في شوارع القاهرة، لا تحتاج إلى أن تدخل متحفا حتى تشعر بالتاريخ. يكفي أن تنظر من نافذة السيارة.

عمارة قديمة هنا، قصر هناك، شرفة تحمل ملامح زمن آخر، باب خشبي كبير، واجهة تروي حكاية، شارع تغيرت ملامحه وبقيت بعض تفاصيله شاهدة على ما مر به.

تشعر وكأن المدينة لا تسير بك في شارع، بل تسير بك داخل رواية طويلة.

كل بناية لها عمر، وكل شارع مر عليه بشر كثيرون، وكل حجر ربما كان شاهدا على زمن لم نعرفه إلا من الكتب.

وهذا ما يجعل مصر مختلفة.

في أماكن كثيرة حول العالم، تذهب إلى المتحف حتى ترى التاريخ.

أما في مصر، فأحيانا يكون التاريخ خارج المتحف.

تراه وأنت تمشي.

تراه في القصور القديمة، وفي المتاحف، وفي المساجد، وفي البيوت، وفي الشوارع التي تعاقبت عليها عهود كثيرة، وتغيرت فيها وجوه الحكام والملوك، وبقيت المدينة واقفة تحمل كل هذه الطبقات فوق بعضها.

وحين تزور القصور القديمة، تشعر بعظمة الزمن.

ليس لأن القصر فخم فقط، ولكن لأنك تقف في مكان عاش فيه أناس كانوا يوما جزءا من التاريخ، ثم مضوا وبقي المكان شاهدا عليهم.

وحين تدخل المتاحف، تشعر أن مصر لا تحكي تاريخا واحدا.

إنها تحكي تاريخا طويلا مر عليها جيلا بعد جيل، وعهدا بعد عهد، وحضارة بعد حضارة.

وربما لهذا السبب، كلما زرت مصر اكتشفت شيئا جديدا.

والغريب أن الشيء الذي اكتشفه قد يكون قديما جدا، وربما كان موجودا منذ مئات السنين، لكنني أراه للمرة الاولى وكأنه ظهر اليوم.

وهذه واحدة من عجائب مصر.

أنها رغم قدمها تستطيع أن تفاجئك.

كل زيارة إليها تحمل اكتشافا جديدا.

وكل شارع يمكن أن يفتح لك بابا على حكاية لم تسمعها من قبل.

ولم تكن علاقتي بمصر مرتبطة بالقاهرة وحدها.

عندما زرت الاسكندرية، شعرت أنني أمام وجه آخر من وجوه هذه البلاد. بحرها، ونسيمها، وهدوء بعض تفاصيلها، جعلني أضيف إلى حبي لمصر حبا آخر.

فمصر ليست القاهرة فقط.

مصر وجوه كثيرة.

النيل، والبحر، والاهرامات، والقصور، والاسواق القديمة، والاحياء الشعبية، والمقاهي، والناس.

والناس…

ربما هم أكثر ما يجعلني أشتاق إليها.

فقد زرت أماكن كثيرة جميلة في العالم، ورأيت مدنا متقدمة، وشوارع منظمة، ومبان حديثة، وتطورا كبيرا، لكن هناك دفئا انسانيا أشعر به في مصر بطريقة مختلفة.

الشعب المصري له روح خاصة.

ابتسامته، خفة ظله، طريقته في الكلام، قدرته على تحويل الموقف العادي إلى حكاية، وعلى أن يجعلك تشعر أحيانا أنك لست غريبا تماما.

وهذا الدفء لا تستطيع أن تصنعه المباني الحديثة مهما كانت جميلة.

لهذا، عندما أعود إلى بلادي، وأرى مقدار التطور الذي نعيشه، أكون سعيدة بكل ما حولي، لكنني أجد نفسي أشتاق إلى مصر.

أشتاق إلى خان الخليلي.

إلى الاهرامات.

إلى القصور القديمة.

إلى تلك الشوارع التي لا أعرف كيف أمل من النظر إليها.

وأشتاق أكثر إلى أن أجلس على النيل في وقت العصر، أحتسي قهوتي، وأترك عيني تذهب مع الماء.

هناك، يصبح للنيل حديث آخر.

تنظر إليه فتنسى الوقت.

وتشاهد المراكبية وهم يغنون، فتشعر أنك دخلت فجأة إلى مشهد من فيلم مصري قديم.

ربما أتذكر عبد الحليم حافظ.

وربما تمر في ذاكرتي صورة احمد رمزي وشقاوته وخفة حضوره.

وربما أتذكر رواية قرأتها منذ سنوات، أو مشهدا من فيلم قديم، فأشعر أن كل شيء في مصر مرتبط بشيء آخر في ذاكرتي.

كتاب بفيلم.

شارع برواية.

نيل بأغنية.

وقصر بحكاية.

وهذه هي مصر التي أحبها.

مصر التي لا تنتهي عند زيارة الاهرامات، ولا عند التجول في خان الخليلي، ولا عند دخول متحف أو قصر.

مصر التي تستمر معك بعد أن تغادرها.

تعود إلى بلدك، وتعود إلى حياتك، ولكن شيئا منك يبقى هناك.

ربما عند النيل.

ربما في شارع قديم.

ربما في مقهى صغير.

وربما في مكان لا تعرف اسمه أصلا، لكنك تتذكر شعورك وأنت تمر من أمامه.

لقد بدأت قصتي مع مصر وأنا فتاة صغيرة، في أول رحلة بعد الثانوية، ولم أكن أعرف أن الزيارة الاولى ستكون بداية عشق طويل.

واليوم، بعد كل هذه السنوات، ما زلت كلما ذهبت إليها أشعر أنني أزورها للمرة الاولى.

أكتشفها من جديد.

وأحبها من جديد.

وأعود منها وفي داخلي شيء لا أستطيع أن آخذه معي إلا في الذاكرة.

لهذا أقول دائما إن مصر ليست مدينة فقط، وليست بلدا تزوره ثم تغادره.

مصر حالة.

مصر ذاكرة.

مصر دفء.

مصر حكاية طويلة لا تنتهي.

وربما أجمل ما فيها أنها لا تطلب منك أن تعرف تاريخها كله حتى تحبها.

يكفي أن تمشي في أحد شوارعها…

أن تنظر إلى مبنى قديم…

أن تجلس أمام النيل في وقت العصر…

أن تسمع صوتا مصريا يضحك من قلبه…

وفجأة تعرف لماذا أحببنا مصر.

أما أنا، فقد أحببتها من أول زيارة.

ومنذ ذلك اليوم، كلما ابتعدت عنها، اكتشفت أن بعض المدن لا نغادرها فعلا…

لأنها ببساطة تكون قد غادرت معنا، واستقرت في القلب

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد