ما لم تعرفه عن طائر الفرقاطة

كتبت : حنان المطوع

هناك طائر لا يمر في السماء مرور العابرين، بل يترك خلفه سؤالاً عن معنى الحرية حين تتحول إلى أسلوب حياة، هو طائر الفرقاطة، ذلك الكائن الخفيف الذي يبدو وكأنه ولد ليبقى بين الريح والموج دون أن ينتمي إلا للفضاء المفتوح. لا يسير على الأرض إلا نادراً، وكأن الأرض ليست موطنه، بل محطة عابرة لا تشبه روحه التي تعلقت بالعلو منذ البداية.

في السماء يظهر كظل طويل الجناحين، لا يتعب من التحليق ولا يبدو عليه أنه يبحث عن مكان للراحة، كأنه فهم منذ لحظته الأولى أن بعض الكائنات خلقت لتكون أقرب إلى المعنى منها إلى المكان. جناحاه ليسا مجرد وسيلة طيران، بل امتداد لفكرة الانطلاق، لذلك يبقى ساعات طويلة فوق المحيطات، يقرأ اتجاه الريح كما يقرأ الحكيم صفحات الحياة، ويعرف متى يرتفع ومتى يترك الهواء يقوده دون مقاومة.

ورغم هذه الخفة التي توحي بالاستقلال، إلا أن له جانباً آخر لا يظهر بسهولة، فهو لا يملك مهارة الغوص في الماء، ولا يستطيع أن يلتقط رزقه من الأعماق مباشرة، لذلك يعيش بين الاعتماد على مهارته في السماء وبين حيله الذكية في الحصول على طعامه، أحياناً يراقب طيوراً أخرى حتى تسقط ما حملته، فيلتقطه بمهارة العارف الذي لا يندفع بل ينتظر اللحظة المناسبة. وكأن الحياة علمته أن القوة ليست دائماً في المواجهة المباشرة، بل في حسن التوقيت وذكاء الاختيار.

وفي موسم التزاوج، يتحول الذكر إلى لوحة من الجمال اللافت، ينفخ كيساً أحمر تحت حلقه ليعلن حضوره، ليس بصوتٍ مرتفع، بل بصورة ترى من بعيد، وكأن الرسالة تقول إن بعض الوجود لا يحتاج إلى ضجيج ليلاحظ، بل يكفيه أن يكون مختلفاً ليرى.

وحين ننظر إليه كرمز، نجده أقرب إلى فكرة الإنسان الذي يبحث عن ذاته خارج القيود، الإنسان الذي يتعلم كيف يوازن بين خفته في الروح وذكائه في البقاء، بين حريته في التحليق وواقعيته في الحصول على ما يحتاجه من الحياة دون أن يفقد أناقته الداخلية. إنه طائر يذكرنا بأن السماء ليست مجرد ارتفاع، بل طريقة في النظر إلى العالم، وأن الحرية الحقيقية ليست في الهروب، بل في القدرة على العيش بخفة دون أن تفقد المعنى.

  • Related Posts

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading
    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    كتب : محمود هاشم في دبي – 3 أكتوبر 2026، أقام مركز أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم، برعاية مكتب الشيخة ميرة بنت عبد الحكيم آل مكتوم، فعالية رسمية بعنوان «حفل…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    دقيقة واحدة قد تغير حياتك

    دقيقة واحدة قد تغير حياتك