ما بين العطاء والحرمان… يكتب نصيب الإنسان

كتبت : حنان المطوع

في هذه الحياة التي تتقاطع فيها الأمنيات وتتشابك فيها الطرق، نمضي جميعا نحمل أحلامنا على أكتافنا، نبحث عن نصيب نراه كاملا، وعن سعادة نعتقد أنها تكمن فيما فقد منا. غير أننا لا نلتفت إلى ما نملكه بالفعل، إلى تلك الخيوط الخفية التي نسجها القدر حولنا بحكمة إلهية لا تخطئ. فكل إنسان في هذه الدنيا يحمل قدره الذي اختاره الله له، لا زيادة فيه ولا نقصان، لكننا كثيرا ما نغفل أن العدالة الإلهية ليست في المساواة المطلقة، بل في التنوع الذي يجعل للحياة طعما مختلفا لكل واحد منا. فمنا من أعطي قلبا رحيما يفيض حبا وحنانا، ومنا من رزق عقلا حكيما يرى الأمور بنور البصيرة، وآخر رزقه الله راحة بال لا تشترى بمال، وكلها نعم تتناثر في حياتنا، لكننا لا ندرك قيمتها إلا حين نفقدها أو نرى غيرنا محروما منها.

إن تأملت الناس من حولك، وجدت أن كل واحد منهم يعيش قصة مختلفة، كأن الله كتب لكل إنسان روايته الخاصة، فيها لحظات ابتلاء ولحظات عطاء. فهذا اكرم بقلب أب رحيم يحتضنه في ضعف الأيام، وذاك رزق ابنا بارا يكون له ظلا في حر الحياة، وآخر فتحت له أبواب المال فصار سببا في رزق غيره، وذاك وهب نعمة الصحة والعافية يسير بخطاه واثقا مطمئنا. لكن الغريب أننا نميل دائما إلى المقارنة، نرفع أبصارنا نحو ما في أيدي الآخرين وننسى ما بين أيدينا، وكأننا نتعامى عن عدل الله الذي وزع الخير بيننا بميزان لا يختل.

فكم من غني يملك القصور، لكنه لا ينام من هم يأكل قلبه، وكم من فقير يبتسم في بساطته لأنه يملك قلبا مطمئنا وبيتا مليئا بالمحبة. هناك من يمتلك المال ولا يجد الرفقة، ومن يعيش في ضيق لكنه محاط بوجوه تحبه، وهناك من حرم السمع أو البصر لكن الله عوضه بصفاء القلب وسكينة الروح. إن النعمة لا تقاس بما نراه، بل بما نشعر به، فكم من شخص ظن نفسه ناقصا، فإذا به في عين غيره مكتمل النعم. الحياة لم تخلق لتكون عدلا في الشكل، بل عدلا في المعنى، فالله يعطي ويمنع لحكمة، وكل عطاء هو ابتلاء، وكل حرمان هو درس، ومن فهم هذه الحقيقة عاش راضيا، ومن جهلها عاش ساخطا لا يرى إلا النقص.

في نهاية المطاف، سنكتشف أن السعادة لا تقاس بما نملك، بل بمدى رضا قلوبنا. ليست الحياة سباقا في جمع الخيرات، بل رحلة لاكتشاف النعم التي وهبت لنا منذ البداية. من رضي عاش غنيا وإن لم يملك شيئا، ومن جحد عاش فقيرا وإن ملك الدنيا بأسرها. فالقناعة كنز لا يفنى، والرضا بقدر الله يورث راحة لا توازيها كنوز الأرض. تأمل حياتك قليلا، ستجد فيها بركات خفية لا يراها إلا من أغمض عينيه عن المقارنة وفتح قلبه للشكر.

فلنؤمن أن الله لم يجمع الخيرات كلها في يد أحد، كي نبقى بحاجة لبعضنا، ولكي نحس بطعم السعي والدعاء والأمل. فرب عطية ظننتها نقمة فإذا بها باب رحمة، ورب حرمان ظننته قسوة فإذا به لطف خفي يهيئك لأجمل مما تتمنى. وفي نهاية كل طريق، لا يبقى في القلب إلا اليقين بأن ما اختاره الله لنا هو الخير، وأن الرضا به هو أول خطوة نحو السعادة الحقيقية.

  • Related Posts

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    تعود الفنانة الأردنية دعاء وعل إلى المشهد الفني من جديد، حاملةً معها مشاعر الحب والحنين في أغنيتها الجديدة «عالدلعونا»، وذلك بعد فترة من الغياب فرضتها وعكة صحية تعرّضت خلالها لغيبوبة،…

    Read more

    Continue reading
    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    كتبت : حنان المطوع ليست كل العبادات تؤدى في صمت المساجد، ولا كل القربات تحتاج هيئةً معلنة… هناك عبادات خفية، تمضي بين الناس بهدوء، لا يلتفت لها الكثيرون، لكنها عند…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة