كبروا بضحكة

كتبت : حنان المطوع

ليس الطفل صفحة بيضاء كما يقال، بل هو قصة مكتوبة بالحس، والخيال، والتجربة، تنتظر منا أن نقرأها جيداً قبل أن نحاول تعديل سطورها. فالتربية ليست فرض كلمات جديدة على الورق، بل هي حوار بين قلبين: قلبٍ صغير يتعلم كيف يشعر، وقلبٍ كبير يتعلم كيف يفهم.

في زمنٍ تتسارع فيه الحياة وتزداد الضغوط، ننسى احياناً أن الطفل لا يحتاج إلى عالم مثالي، بل إلى بالغٍ يتعامل معه بوعي. التربية الإيجابية هي ذلك الوعي؛ هي أن نربي أبناءنا لا بالعقاب ولا بالخوف، بل بالفهم والاحترام. إنها نظرة مختلفة إلى التربية، تجعلنا نرى الطفل إنساناً كاملاً لا مشروعاً قيد الإنشاء، نراه كما هو، لا كما نريد أن يكون.

وجب علينا، قبل كل شيء، أن نعلم أبناءنا قيمة الاحترام؛ احترام الكبير قبل الصغير، واحترام الوالدين و جدهم وجداتهم، فهؤلاء هم الجذور التي يستمد منها الطفل معنى الانتماء. كما يجب أن يتعلم احترام معلمه في المدرسة، فالمعلم ليس مجرد من يلقن الدروس، بل هو من يفتح النوافذ للعقول. والاحترام بين الزملاء في المدرسة لا يقل أهمية، فهو أساس العلاقات الإنسانية منذ الصغر. لو أن كل والدين علما أبناءهما أن ساحة المدرسة ليست ساحة معركة، بل ساحة راحة وتفاهم، ومكان للعب النظيف والحديث الهادئ بعد الدروس، لتبدلت كثير من المشكلات السلوكية التي نعانيها اليوم. إن الطفل الذي يتعلم أن الصداقة لا تبنى على السخرية، وأن القوة ليست في الإيذاء بل في المساندة، سيكبر إنساناً يعرف أن الكلمة الطيبة أقوى من أي صراع، وأن الكبير الذي يساعد الصغير لا يستغله، بل يبني به مجتمعاً راقياً.

الطفل لا يزدهر بالصراخ، بل بالهدوء، ولا يتعلم بالعقاب، بل بالتجربة. حين نخاطب أبناءنا بصوتٍ مليء بالحب، نحن لا ندللهم، بل نعلمهم لغة التواصل التي سيتحدثون بها مع العالم لاحقاً. وحين نمنحهم الثقة، فإننا نزرع فيهم القدرة على الاختيار، وهي أعظم ما يمكن أن نحمله للجيل القادم.

التربية الإيجابية لا تعني التساهل، بل التوازن بين الحزم والرحمة. أن نضع حدوداً، ولكن دون أن نحطم المشاعر. أن نصحح الخطأ دون أن نهدم الصورة الذاتية للطفل. أن نؤمن أن خلف كل سلوك غير مرغوب رسالة خفية، ربما هي احتياج لم يفهم، أو خوف لم يسمع، أو حب لم يعبر عنه.

وفي قلب هذه الرحلة، نتعلم نحن الكبار قبل أن يتعلم الصغار. فالتربية الإيجابية لا تخلق فقط أطفالاً واثقين، بل آباءً أكثر وعياً بذواتهم. تجعلنا نتوقف قبل أن نغضب، نفكر قبل أن نحكم، ونتذكر أن الطفل يتعلم من أعيننا أكثر مما يتعلم من كلماتنا.

كم من مرة احتجنا نحن في طفولتنا إلى من يسمعنا لا من يعاقبنا؟ إلى من يفسر خوفنا بدل أن يوبخنا عليه؟ إن التربية الإيجابية تعيد إلينا تلك الصورة التي كنا نتمنى أن نعيشها، وتمنحنا فرصة أن نكون نحن الكبار الذين كنا نحتاجهم يوماً.

التربية الإيجابية ليست رفاهية ولا اسلوباً حديثاً فحسب، بل هي طريق لإنسانٍ أكثر اتزاناً وسلاماً مع نفسه. أن نربي أبناءنا على الحب والاحترام، يعني أن نمنح العالم غداً أجمل. فلنسأل أنفسنا في كل مرة نواجه فيها غضب طفل أو خطأه:
هل نريد أن نخيفه ليطيع، أم نلهمه ليختار الصواب؟

  • Related Posts

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    تعود الفنانة الأردنية دعاء وعل إلى المشهد الفني من جديد، حاملةً معها مشاعر الحب والحنين في أغنيتها الجديدة «عالدلعونا»، وذلك بعد فترة من الغياب فرضتها وعكة صحية تعرّضت خلالها لغيبوبة،…

    Read more

    Continue reading
    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    كتبت : حنان المطوع ليست كل العبادات تؤدى في صمت المساجد، ولا كل القربات تحتاج هيئةً معلنة… هناك عبادات خفية، تمضي بين الناس بهدوء، لا يلتفت لها الكثيرون، لكنها عند…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه