فيليب سالم… الطبيب الذي عالج الإنسان قبل المرض

كتبت : حنان المطوع

بعض الاطباء يدخلون غرفة المريض ومعهم سماعة الطبيب، وبعضهم يدخلون ومعهم شيء اكبر بكثير…

يدخلون ومعهم القدرة على ان يمنحوا انسانا خائفا سببا جديدا للامل.

وهكذا تبدو سيرة البروفيسور فيليب سالم، الطبيب اللبناني الذي لم ير في السرطان مجرد مرض يهاجم الجسد، بل رأى امامه انسانا يخاف، ويتألم، ويتعلق بكلمة، ونظرة، ويد تمتد اليه في اللحظة التي يشعر فيها ان العالم كله ابتعد عنه.

ولد فيليب سالم في لبنان، ومنذ سنواته الاولى كان العلم بالنسبة اليه اكثر من دراسة ومهنة. كان طريقا لفهم الانسان ومساعدته.

حمل حلمه من لبنان الى الولايات المتحدة، وهناك بدأ رحلة طويلة في عالم طب الاورام، حتى اصبح واحدا من الاسماء المعروفة في مجال علاج السرطان وابحاثه.

لكن الذي يجعل حكايته مختلفة ليس عدد المناصب التي شغلها، ولا الابحاث التي نشرها، ولا السنوات الطويلة التي قضاها في المستشفيات والجامعات.

الذي يجعل حكايته مختلفة هو نظرته الى المريض.

كان يؤمن ان الطبيب لا يعالج الورم فقط، وانما يعالج الانسان الذي يحمل هذا الورم.

وهذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنها في عالم الطب ليست بسيطة ابدا.

فحين يسمع المريض كلمة السرطان، لا يسمع اسما لمرض فقط.

يسمع اسئلة كثيرة دفعة واحدة:

هل سأعيش؟

هل سأرى عائلتي؟

هل سأستطيع العودة الى حياتي؟

هل هناك امل؟

وهنا يأتي دور الطبيب الحقيقي.

ليس فقط ان يقول للمريض ماذا يحدث داخل جسده، بل ان يساعده على مواجهة ما يحدث داخله ايضا.

لقد امضى فيليب سالم سنوات طويلة في البحث عن اجابات جديدة للسرطان، وشارك في ابحاث مهمة في مجال الاورام، واهتم بالعلاقة بين بعض العوامل المسببة للمرض وتطور السرطان، كما عمل على تدريب اجيال من الاطباء والباحثين.

وفي عام 1971 عاد الى لبنان، حاملا معه ما تعلمه في الولايات المتحدة، واسهم في تأسيس برنامج لتدريب الاطباء في مجال علاج السرطان وابحاثه.

كان يستطيع ان يبقى بعيدا، حيث تتوافر له امكانات اكبر، لكنه اختار ان يعود الى المكان الذي بدأ منه.

وهنا تظهر قيمة اخرى في شخصيته.

فالعالم الحقيقي لا يقاس فقط بما يأخذه من العلم، بل بما يعيده الى الناس.

لم يكن فيليب سالم يرى ان المعرفة ملك لصاحبها.

كان يرى انها مسؤولية.

وكلما اتسعت معرفة الطبيب، اتسعت مسؤوليته تجاه المرضى وتجاه المجتمع وتجاه الاجيال التي ستأتي بعده.

وربما لهذا السبب لم يتوقف اهتمامه عند حدود الطب.

ففي شخصيته مساحة واضحة للفلسفة والادب والفكر، وكأنه كان يرى ان الانسان لا يمكن اختصاره في نتيجة تحليل او صورة اشعة او تشخيص طبي.

فالانسان قصة.

والطبيب الذي يفهم قصة مريضه، يستطيع ان يفهم مرضه بطريقة مختلفة.

ومن هنا يمكن ان نفهم فلسفة فيليب سالم في الطب.

كان يؤمن بالعلم، لكنه لم يسمح للعلم ان يلغي الانسان.

وكان يعرف ان التكنولوجيا تستطيع ان تكشف المرض، والادوية تستطيع ان تحاربه، والجراحة تستطيع ان تستأصل جزءا منه، لكن هناك شيئا لا تستطيع الآلات وحدها ان تمنحه…

الطمأنينة.

كلمة صادقة.

لمسة انسانية.

وشعورا لدى المريض بأنه ليس رقما في ملف طبي.

وربما لهذا بقيت صورة الطبيب في ذاكرته مرتبطة دائما بالانسان قبل المريض.

في عالم يتقدم فيه الطب بسرعة مذهلة، وتصبح الأجهزة اكثر ذكاء، والعلاجات اكثر دقة، تبقى هناك حقيقة لا تتغير:

المريض يحتاج الى طبيب يعرف كيف يعالج المرض، لكنه يحتاج اكثر الى طبيب يعرف كيف يتعامل مع خوفه.

وهنا تكمن عظمة فيليب سالم.

لقد جعل من الطب علما، ومن العلم رسالة، ومن الرسالة موقفا انسانيا.

لم يقل للسرطان انه مرض لا يمكن مواجهته.

بل قضى عمره يبحث، ويسأل، ويعلم، ويجرب، ويدرب، وكأنه يقول لكل مريض:

لا تستسلم قبل ان نعطي العلم فرصته كاملة.

وهذه ربما هي اجمل هدية يمكن ان يمنحها طبيب لانسان يقف على حافة الخوف…

ان يمنحه الامل دون ان يخدعه.

وان يمنحه الحقيقة دون ان يسلبه القوة.

وان يذكره بأن خلف المرض انسانا ما زال يريد ان يعيش.

فيليب سالم ليس مجرد طبيب سرطان.

انه واحد من اولئك الذين جعلوا من مهنتهم معنى.

وبينما يمضي العمر وتبقى الاسماء، قد ينسى الناس بعض المناصب والالقاب، لكنهم لا ينسون الطبيب الذي جعلهم يشعرون، ولو للحظة، انهم لم يكونوا وحدهم في مواجهة المرض.

وهكذا تبقى بعض الشخصيات في الذاكرة…

لا لانها كانت الاشهر فقط،

بل لانها تركت وراءها شيئا لا يزول.

اثرا في انسان.

او املا في قلب.

او معرفة انتقلت الى طبيب، ثم الى مريض، ثم الى حياة جديدة.

وهذا هو فيليب سالم…

طبيب لم ير السرطان نهاية الحكاية، بل رأى في كل مريض فرصة جديدة ليقول للانسان:

ما دام هناك علم يبحث، وقلب يؤمن، وطبيب لا يستسلم…

فما زال هناك امل.

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد