طيبة القلب وحدود البشر

كتبت : حنان المطوع

ليس كل ما يملكه الإنسان يرى بالعين. فهناك أشياء لا تقاس بالمال ولا بالمكانة ولا بالمظهر، بل تعرف من أثرها في القلوب. ومن أجمل هذه الأشياء طيبة القلب. تلك الصفة التي تجعل صاحبها يميل إلى الرحمة قبل القسوة، وإلى العذر قبل اللوم، وإلى العطاء قبل الأخذ.

العجيب أن الكائنات جميعها تشعر بهذه الطيبة بطريقة لا تحتاج إلى لغة. فالطائر يقترب ممن لا يؤذيه، والحيوان يطمئن لمن يحمل في يده الرحمة، والطفل ينجذب بالفطرة إلى الوجه الذي يشع أمناً وحناناً. وكأن الطيبة لغة عالمية تفهمها الأرواح قبل العقول.

لكن الإنسان، رغم ما أوتي من عقل وفهم، قد يكون أحياناً أقل الكائنات قدرة على تقدير هذه النعمة. فبينما ترى القلوب النقية الطيبة قيمة عظيمة، يراها البعض فرصة سهلة للاستغلال. فيختبر صبر الطيب، ويستهلك وقته، ويثقل عليه بطلباته، ثم يظن أن لطفه ضعف، وأن تسامحه عجز، وأن صمته قبول بكل ما يفعل به.

وهنا يقع الخطأ الكبير. فالطيبة ليست ضعفاً، كما أن اللين ليس هواناً. فالإنسان الطيب قد يسامح لأنه قادر على العقاب، وقد يتغافل لأنه أرقى من الدخول في كل معركة، وقد يصمت لأنه أدرك أن بعض الردود لا تستحق أن تقال. وما أكثر من خسروا أشخاصاً طيبين لأنهم ظنوا أن أبوابهم ستظل مفتوحة إلى الأبد.

إن أجمل القلوب ليست تلك التي لا تغضب، بل تلك التي تعرف متى تعطي ومتى تتوقف، ومتى تعذر ومتى تبتعد. فالطيبة التي لا تحمي نفسها تتحول إلى ألم، أما الطيبة التي ترافقها الحكمة فتبقى نوراً لصاحبها ولمن حوله.

ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يتخلى عن طيبته بسبب من أساء إليه، فالعالم لا يحتاج إلى قلوب أكثر قسوة، بل يحتاج إلى قلوب طيبة تعرف قيمتها جيداً. فكن طيباً ما استطعت، لكن لا تسمح لأحد أن يجعل من طيبتك سلماً لمصلحته. ازرع الخير، وأحسن إلى الناس، وافتح قلبك للمحبة، لكن تذكر دائماً أن أجمل الورود هي التي تنشر عطرها للجميع، ومع ذلك تحتفظ بأشواكها لتحمي نفسها

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد