حين يتحدث النقص

بقلم : حنان المطوع.

ليس كل من يبتسم لك يحمل لك المحبة، وليس كل من يصمت أمام نجاحك عاجزا عن الكلام. هناك نفوس ترى في نجاح الآخرين مرآة تكشف ما ينقصها، فتبدأ بمحاربة الصورة بدلا من إصلاح ما وراءها.

الحقد لا يأتي دائما من عداوة واضحة، والغيرة قد تختبئ خلف كلمات تبدو عادية، أما الحسد فقد يتسلل في صورة نصيحة، أو تعليق عابر، أو محاولة للتقليل من إنجاز لم يكن صاحبه بحاجة إلا إلى كلمة طيبة.

وحين يعجز الإنسان عن الوصول إلى ما وصل إليه غيره، قد يبحث عن طريق آخر؛ فيشوه سمعته، يقلل من شأنه، يفسر نجاحه بسوء، أو يحاول أن يسحب الآخرين إلى المساحة التي يقف فيها هو.

لكن الحقيقة أن نجاح الآخرين لا ينقص من نجاحنا، وجمالهم لا يسلب منا شيئا، ورزقهم لا يمنع رزقنا. لكل إنسان طريقه، ووقته، ونصيبه من الحياة. وما كتبه الله لغيرنا لا يمكن أن يأخذ مكان ما كتب لنا.

والأجمل أن ندرك أن الإنسان الواثق لا يحتاج إلى إسقاط أحد حتى يشعر بأنه أعلى. فهو يعرف قيمته، ولذلك لا يخاف من نجاح الآخرين، ولا ينزعج من حضورهم، ولا يشعر أن الضوء إذا أضاء على غيره قد أطفأ شيئا من نوره.

أما من يستهلك عمره في مراقبة الناس، والبحث عن عيوبهم، وتشويه صورتهم، فهو في الحقيقة يخسر نفسه قبل أن يؤذي غيره. لأن القلب الذي ينشغل بحياة الآخرين لا يجد الوقت الكافي ليبني حياته.

وقد تكون بعض الإساءات مؤلمة، خصوصا حين تأتي من أشخاص لم نتوقع منهم ذلك. لكن مع الوقت نتعلم أن بعض الكلمات لا تستحق أن نسكنها في قلوبنا، وأن أفضل رد على من يحاول تشويه صورتنا هو أن نواصل حياتنا بالصورة التي نعرفها عن أنفسنا.

لا تشرح نفسك لكل أحد، ولا تحاول أن تثبت قيمتك لمن قرر ألا يراها. فهناك أشخاص لن يغير رأيهم فيك مهما فعلت، ليس لأنك أخطأت، بل لأنهم يحتاجون إلى أن يروا فيك نقصا حتى يشعروا بالاكتمال.

كن هادئا أمام الضجيج، وامض في طريقك، واترك لكل إنسان أن يحمل ما في قلبه. فالحقد يتعب صاحبه، والحسد يحرق صاحبه، وتشويه الآخرين لا يرفع من شأن أحد.

وفي النهاية، يبقى الإنسان كما هو…

من كان ممتلئا بالخير، نشر الخير. ومن كان ممتلئا بالسلام، منح السلام. ومن كان يحمل النقص في داخله، تحدث النقص من خلاله.

لذلك لا تجعل ما في قلوب الآخرين يغير ما في قلبك.

فليس كل ما يقال عنك يستحق أن ترد عليه، وبعض الصمت ليس ضعفا… بل احترام لنفسك.

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد