حين أعادتني أغنية إلى زمانٍ بعيد

كتبت : حنان المطوع

كنت أتمشى بين أروقة معرض الكتاب، أنتقل من جناح إلى آخر، أتوقف أمام كتاب وأتجاوز آخر، حين وصلت إلى أذني موسيقى أعرفها جيداً.

لم تكن مجرد أغنية.

كانت شيئاً خرج من مكان بعيد في الذاكرة وأمسك بيدي.

وفجأة لم أعد في معرض الكتاب.

عدت إلى البحرين.

إلى تلك البنت الصغيرة التي كانت في مقتبل العمر، تسمع الأغاني البحرينية وتحفظ بعضها دون أن تسأل يومها من كتب الكلمات، ولا كيف ولدت القصيدة قبل أن تصبح أغنية.

غريب أمر الموسيقى.

قد تنسى أين وضعت مفتاحك صباحاً، لكنها تستطيع أن تعيد إليك شعوراً مر عليه عشرات السنين في ثوانٍ قليلة.

تبعت الصوت.

كلما اقتربت منه، شعرت أنني أقترب من جزء قديم مني.

حتى وصلت إلى منصة للمقابلات، فتوقفت.

كانت المتحدثة الشاعرة البحرينية فتحية عجلان، وكانت تدير اللقاء الدكتورة بروين حبيب.

وهنا اكتملت المفاجأة.

أمام امرأة كتبت الشعر والكلمة الغنائية، جلست امرأة أخرى بنت مسيرة طويلة بين الأدب والإعلام.

وقفت أستمع، لكنني في الحقيقة كنت أتنقل بين زمنين.

زمن الفتاة التي كنتها في البحرين، وزمن المرأة التي أصبحتها اليوم.

وتأملت فتحية عجلان وأنا أفكر في شيء لم أفكر فيه عندما كنت أصغر سناً: كم من الأغاني نحبها ونحفظها، بينما يبقى صاحب الكلمة مختبئاً خلف صوت المطرب ولحن الموسيقار؟

فتحية عجلان ابنة المحرق، كتبت بالفصحى والعامية، وخرجت كلماتها من صفحات الدواوين لتعيش أيضاً في الأغنية الخليجية. وربما لهذا شعرت أنني لم ألتقِ يومها شاعرة للمرة الأولى، بل التقيت جزءاً من ذاكرة أعرفها منذ زمن.

أما بروين حبيب، التي أدارت الحوار، فقد أعطت اللقاء نكهة بحرينية أخرى؛ إعلامية وشاعرة وباحثة حملت تجربتها من البحرين إلى دبي، وظلت الثقافة والكتاب والشعر جزءاً اساسياً من رحلتها.

لحظتها أدركت أنني لم أذهب إلى تلك المنصة بإرادتي تماماً.

الأغنية هي التي أخذتني إليها.

أعادتني أولًا إلى البحرين، ثم مشت بي بين سنوات العمر، وأوقفتني أمام امرأة ربما سمعت كلماتها وأنا بنت ولم أكن أعرف أنني سأقف أمامها يوماً.

خرجت من اللقاء وأنا أفكر:

نحن لا نكبر بعيداً عن أيامنا القديمة كما نعتقد.

بعضها يبقى ساكناً فينا، ينتظر صوتاً، أو لحناً، أو كلمة صغيرة حتى يستيقظ.

وفي ذلك اليوم، وسط آلاف الكتب، لم يكن كتاب هو الذي أعادني إلى أول الحكاية.
بل أغنيه

  • Related Posts

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    كتبت : حنان المطوع هناك تواريخ تمر في حياتنا، وهناك تواريخ تسكن قلوبنا إلى الأبد. وكان العاشر من أكتوبر دائماً يوماً مميزاً بالنسبة لي، فهو يوم ميلادي، لكن هذا العام…

    Read more

    Continue reading
    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    كتبت : حنان المطوع الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقهننظر إلى البحر فنراه صفحة زرقاء ممتدة، ونظن أن ما تحتها عالم واحد متصل، لكن البحر أحياناً يخفي في…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    فيصل الشناوي.. عين المخرج التي تصنع الحكاية، واحتفال ترند التميز يحتفي بصُنّاع الإبداع برئاسة د. محمد هاشم.

    فيصل الشناوي.. عين المخرج التي تصنع الحكاية، واحتفال ترند التميز يحتفي بصُنّاع الإبداع برئاسة د. محمد هاشم.

    «محمود عامر.. لكل فنان بصمة، وللإبداع ذاكرة.. د. محمد هاشم يحتفي بنجوم عيلة مرزوق»

    «محمود عامر.. لكل فنان بصمة، وللإبداع ذاكرة.. د. محمد هاشم يحتفي بنجوم عيلة مرزوق»

    حين يتحدث تاريخ المسرح.. أحمد ماهر فارس الحضور المهيب في احتفال ترند التميز برئاسة د. محمد هاشم.

    حين يتحدث تاريخ المسرح.. أحمد ماهر فارس الحضور المهيب في احتفال ترند التميز برئاسة د. محمد هاشم.

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء