كيف واجه ابن سينا رائحة العرق قبل ألف عام؟

كتبت : حنان المطوع

قد نظن أن مزيلات العرق اختراع حديث، وأن الإنسان في الماضي لم يكن يملك سوى العطور لإخفاء الروائح. لكن عندما نعود أكثر من ألف عام إلى الوراء، ونفتح صفحات ابن سينا، نجد أن الأمر كان أعمق من مجرد تعطير للجسد.

كان ابن سينا يدرك أن الرائحة لا تعالج بإضافة العطر فوقها، بل بإزالة سببها أولًا. لذلك جعل النظافة أساساً، ثم تحدث عن مواد طبيعية تساعد على تقليل الروائح وتحافظ على انتعاش الجسم.

ومن أشهر ما ذكره الشبة، وهي مادة معدنية طبيعية كانت تطحن ويوضع منها القليل تحت الإبط. لم يكن يعرف البكتيريا كما نعرفها اليوم، لكنه لاحظ بالتجربة أن هذه المادة تقلل الرائحة وتساعد على بقاء الجلد جافاً لفترة أطول.

كما استخدم ماء الورد لما يمنحه من انتعاش ورائحة طيبة، وأضاف في بعض التركيبات المسك والكافور، ليس لإخفاء الرائحة فحسب، بل ليمنح الجسم إحساساً بالنظافة والراحة.

واللافت أن العلم الحديث يفسر لنا ما لم يكن معروفاً في زمنه. فالعرق في حد ذاته يكاد يكون بلا رائحة، وإنما تظهر الرائحة عندما تبدأ البكتيريا الموجودة على سطح الجلد في تحليل مكوناته. ولهذا فإن تنظيف الجلد وتقليل نمو هذه البكتيريا هو السر الحقيقي وراء التخلص من الرائحة، وهو ما كانت الشبة تساعد عليه بالفعل.

ولم يقف ابن سينا عند هذا الحد، بل أشار أيضاً إلى أن الطعام يؤثر في رائحة الجسم، وأن الاعتدال في الغذاء جزء من العناية بالصحة. وهي فكرة تؤكدها الدراسات الحديثة، إذ إن بعض الأطعمة والتوابل قد تغير رائحة العرق لدى بعض الأشخاص.

من المدهش أن كثيراً من المبادئ التي نعتمد عليها اليوم في العناية الشخصية كانت معروفة لدى أطبائنا قبل قرون، وإن اختلفت التفسيرات العلمية. فقد كان ابن سينا ينظر إلى الجسد نظرة متكاملة؛ النظافة، والغذاء، والعناية اليومية، كلها حلقات في سلسلة واحدة اسمها الصحة.

وربما أجمل ما نتعلمه من هذه القصة أن الحكمة لا تقاس بحداثة الزمن، فبعض الأفكار العظيمة ولدت منذ ألف عام، وما زالت تثبت مع الأيام أنها سبقت عصرها

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد