حين أصبحت العربية لغة أجنبية في أرضها

كتبت : حنان المطوع

تخيلوا معي لغة يعيش بها الناس، يتحدثون بها في بيوتهم، يكتبون بها، يتعلمونها، ويحفظون بها حكاياتهم وأشعارهم وأسماء أجدادهم.

ثم يأتي يوم يقال لهم فيه: هذه اللغة أصبحت أجنبية.

هذه ليست بداية رواية من الخيال.

إنها واحدة من أكثر الصفحات غرابة في تاريخ الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية.

في الثامن من مارس عام 1938 صدر ما عرف لاحقاً باسم قانون شوتان، نسبة إلى كاميل شوتان، وارتبط هذا القرار باعتبار اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر، مع تشديد القيود على تعليمها وعلى المدارس الحرة التي كانت تدرسها.

عندما قرأت عن هذا القانون توقفت طويلًا عند كلمة واحدة:

أجنبية.

كيف تصبح لغة عاشت في أرض قروناً طويلة لغة أجنبية؟

وكيف يمكن لقرار إداري أن يغير، على الورق، علاقة إنسان بلغته؟

لكن المسألة لم تكن مجرد كلمة مكتوبة في وثيقة.

فاللغة ليست مجموعة حروف فقط.

حين تمس لغة شعب، فأنت تمس جزءاً من ذاكرته.

فالطفل الذي يدخل المدرسة لا يتعلم كلمات فحسب، وإنما يتعلم كيف يسمي العالم من حوله.

وحين يكتب اسمه بلغته، ويقرأ قصة بها، ويسمع معلمه يشرح له بها، فإنه يشعر بأن اللغة التي يتحدث بها في بيته لها مكان أيضاً خارج البيت.

ولهذا أصبح التعليم ساحة أساسية في هذه القصة.

كانت هناك مدارس عربية حرة يحاول من خلالها الجزائريون الحفاظ على تعليم العربية ونقلها إلى الأجيال الجديدة، لكن سلسلة من القوانين والمراسيم جعلت فتح هذه المدارس والعمل فيها أكثر صعوبة، ثم جاء قرار 1938 ليزيد القيود ويجعل التعليم العربي الحر أكثر عرضة للمراقبة والتضييق.

وهنا بدأت المفارقة.

اللغة الفرنسية كانت حاضرة في الإدارة والتعليم الرسمي ومؤسسات الدولة، بينما أصبحت العربية، التي يسمعها الطفل في البيت والشارع والمجتمع، بحاجة إلى مساحة يدافع فيها الناس عن حقهم في تعلمها.

ومن هنا تحولت المدرسة الصغيرة إلى شيء أكبر من مدرسة.

أصبحت مكاناً لحفظ الذاكرة.

فالسبورة لم تعد مجرد سبورة، والكتاب لم يعد مجرد كتاب، والمعلم لم يعد شخصاً يشرح درساً وينصرف.

كل واحد من هؤلاء أصبح جزءاً من معركة ثقافية طويلة حول سؤال بسيط جداً:

كيف يحتفظ الإنسان بلغته؟

ولهذا برز دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومدارسها الحرة، ووقفت في مواجهة الإجراءات التي قيدت تعليم العربية، وجعلت نشرها وتعليمها جزءاً أساسياً من مشروعها الثقافي والتربوي. وتظهر الدراسات التي تناولت صحافة الجمعية، ومنها جريدة البصائر، حجم الاعتراض على قانون 8 مارس وآثاره على التعليم العربي.

لكن أجمل ما في الحكاية، بالنسبة لي، ليس الخلاف القانوني نفسه.

بل ما حدث بعده.

فالقرارات يمكن أن تكتب في دقائق.

أما اللغة فلا تعيش بالقرارات.

تعيش في أفواه الناس.

في الأم التي تتحدث إلى طفلها.

في الجدة التي تحكي حكاية.

في الأغنية التي تنتقل من قرية إلى أخرى.

وفي المعلم الذي يفتح كتاباً أمام مجموعة من الأطفال ويقول لهم:

اقرؤوا.

وهنا نفهم لماذا كان من الصعب محو لغة بمجرد تصنيفها لغة أجنبية.

لأن اللغة حين تسكن الأوراق يمكن منعها.

أما حين تسكن الذاكرة، فالأمر مختلف.

وربما كانت هذه واحدة من أهم دروس قصة قانون شوتان.

فالسلطة تستطيع أن تغير اسم اللغة في وثيقة.

وتستطيع أن تضع شروطاً لمدرسة.

وتستطيع أن تغلق باباً.

لكنها لا تستطيع بسهولة أن تدخل إلى ذاكرة ملايين البشر وتمحو الكلمات التي نطقوا بها منذ طفولتهم.

مرت السنوات.

وانتهت الحقبة الاستعمارية.

وبقيت العربية في الجزائر، إلى جانب الأمازيغية، جزءاً من المشهد اللغوي والثقافي للبلاد.

أما ذلك القرار القديم فبقي صفحة في التاريخ، نقرأها اليوم ليس لكي نفتح جراح الماضي، بل لكي نفهم شيئاً أكبر:

أن اللغة ليست ملكاً للحكومات وحدها.

إنها ملك للناس الذين يتحدثون بها.

لأن الوطن قد يرسم على الخريطة بخطوط.

لكن ذاكرة الوطن ترسم بالكلمات.

وحين تبقى الكلمات…

تبقى الحكاية

  • Related Posts

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    كتبت : حنان المطوع لم أكن أعلم أن زيارة عادية إلى عيادة الطبيبة ستتحول إلى حوار طريف عن العمر والشباب، ولا أن سؤالاً بسيطاً سيجعلني أستعيد أمامها فلسفة حياة لم…

    Read more

    Continue reading
    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    تعود الفنانة الأردنية دعاء وعل إلى المشهد الفني من جديد، حاملةً معها مشاعر الحب والحنين في أغنيتها الجديدة «عالدلعونا»، وذلك بعد فترة من الغياب فرضتها وعكة صحية تعرّضت خلالها لغيبوبة،…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب