توازن الجسد… الفكرة التي شكّلت الطب القديم

كتبت : حنان المطوع

في العصور القديمة كان فهم الجسم الإنساني يقوم على فكرة أن الإنسان وحدة واحدة مترابطة لا يمكن فصل أعضائه عن بعضها، ولذلك كان الأطباء مثل ابن سينا ينظرون إلى الصحة من زاوية داخلية شاملة، حيث تفسر حالة الإنسان من خلال توازن ما كان يسمى بالأخلاط الأربعة، ومع هذا التصور كان الكبد يعد من أهم الأعضاء لأنه المسؤول في نظرهم عن تكوين الدم وتنقية الجسم وإعادة توزيع الغذاء على بقية الأعضاء، ولذلك كان أي اضطراب في وظائفه يعتقد أنه ينعكس على حالة الجسد العامة وليس عضواً بعينه، ومن هذا المنطلق ظهرت فكرة الاعتماد على ما يسمى بتنقية الكبد كجزء من العلاج الغذائي والطبي في ذلك الزمن، حيث لم يكن الهدف علاج عرض محدد بل إعادة التوازن الداخلي للجسم كله

وفي هذا الإطار كان يتم استخدام بعض الأغذية ذات الطبيعة الحامضية أو القابضة مثل الحصرم وهو العنب الأخضر غير الناضج، حيث كانوا يعتقدون أن له تأثيراً يساعد على تهدئة حرارة الجسم وتحسين عمل الكبد ودعم عملية الهضم وبالتالي إعادة التوازن الداخلي، وكان يحضر أحياناً على شكل عصير يشرب ضمن أنظمة غذائية علاجية تعتمد على التدرج والاعتدال في الطعام والشراب، ولم يكن ينظر إليه كدواء مستقل بحد ذاته بل كجزء من منظومة غذائية علاجية تهدف إلى إصلاح الداخل الذي ينعكس بدوره على الخارج

كما أن الطبيب الرازي كان قريباً في فكره من هذا التصور العام، حيث كان يلاحظ أن الصحة لا تتعلق بالعضو المصاب وحده بل بنمط حياة الإنسان كله، من غذائه إلى نومه إلى بيئته، ولذلك كان العلاج عنده يجمع بين تعديل السلوك الغذائي واستخدام الأدوية البسيطة أو المركبة التي تهدف إلى إعادة التوازن الداخلي، وهو نفس الاتجاه العام الذي ساد في الطب في تلك الفترة والذي يقوم على فكرة أن الجسد نظام واحد متكامل

أما في العصر الحديث فقد تغير هذا الفهم بشكل جذري مع تطور العلوم الطبية وظهور أدوات التشخيص الدقيقة، وأصبح النظر إلى الجسم يعتمد على تحليل وظائف الأعضاء بشكل مستقل ودراسة العمليات الحيوية على مستوى الخلايا والجزيئات، ولم يعد يتم تفسير الصحة على أساس الأخلاط أو “تنقية الكبد” كما في السابق، بل على أساس تفاعلات كيميائية وبيولوجية معقدة داخل الجسم، ومع ذلك بقيت فكرة مهمة مشتركة بين الماضي والحاضر

وهي أن نمط الحياة والغذاء والحالة النفسية تؤثر بشكل مباشر على صحة الإنسان العامة، حتى وإن اختلفت التفسيرات العلمية بين الزمنين

  • Related Posts

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    كتبت : حنان المطوع بعد أربعة وأربعين عاماً، عاد التاريخ ليفتح إحدى صفحاته الملكية، حين استقبلت بريطانيا السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، في زيارة دولة أعادت إلى الذاكرة زيارة…

    Read more

    Continue reading
    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    كتب : مصطفى محمد اتحاد الكرة يعلن مواجهات دور الـ32.. وصدامات مرتقبة في الطريق إلى النهائي أسفرت قرعة دور الـ32 من بطولة كأس مصر لكرة القدم للموسم الرياضي 2026-2027، التي…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أكثر من 300 رسالة أمل للمكفوفين.. الدكتور محمد الحوسني يقود مبادرة عربية تصنع «نقطة تحول» في مصر.

    أكثر من 300 رسالة أمل للمكفوفين.. الدكتور محمد الحوسني يقود مبادرة عربية تصنع «نقطة تحول» في مصر.

    مجدي يعقوب… الرجل الذي لم يكتفِ بإصلاح القلوب، بل أعاد إليها الأمل

    مجدي يعقوب… الرجل الذي لم يكتفِ بإصلاح القلوب، بل أعاد إليها الأمل