بيوت من طين… بناها طائر

كتبت : حنان المطوع

منذ سنوات، كنت في إحدى المحطات في فرنسا أنتظر سيارة الأجرة التي ستأخذنا إلى الفندق. وبينما كنت أتأمل المكان، رفعت رأسي إلى أعلى المحطة، فلفت نظري شيء غريب.

كانت هناك أعشاش صغيرة ملتصقة بالبناء، لكن ما أثار دهشتي أنها لم تكن من الأغصان والقش كما اعتدت أن أرى… بل بدت وكأنها مصنوعة من الطين.

وقفت أتأملها وأسأل نفسي: كيف استطاع هذا الطائر الصغير أن يبني بيتاً من الطين؟ وكيف يبقى العش متماسكاً في مكانه ولا يسقط؟

وصلت سيارة الأجرة، ومضت الرحلة، ومرت السنوات، وبقي ذلك المشهد في زاوية ما من ذاكرتي.

حتى شاهدت مؤخراً مقطعاً لطائر يجمع الطين بمنقاره، ثم يعود به إلى عشه ويضعه بعناية. وفجأة عادت بي الذاكرة إلى تلك المحطة في فرنسا، وتذكرت الأعشاش التي حيرتني يومها.

ومن هنا بدأ فضولي، فبحثت عن الحكاية.

واكتشفت أن بعض أنواع السنونو تبني أعشاشها بالفعل من الطين. يجمع الطائر كميات صغيرة من الوحل الرطب بمنقاره، ويعود بها مرة بعد مرة، يضعها فوق بعضها حتى يتشكل العش. وقد يستخدم معها بعض المواد النباتية، ثم يبطن الداخل بالعشب والريش ليصبح أكثر دفئاً لصغاره.

والأجمل أن هذا البناء الصغير لا يملك سوى منقاره.

لا مخطط أمامه، ولا أدوات، ولا أحد يعلمه أين يضع القطعة التالية، ومع ذلك يعرف كيف يختار المكان، وكيف يبني، وكيف يصنع من شيء ندوس عليه بأقدامنا بيتاً يحتضن حياة كاملة.

وهنا أدركت أن ما رأيته في فرنسا لم يكن مجرد أعشاش غريبة فوق محطة.

كان أمامي مهندس صغير، لكنني يومها لم أكن أعرف حكايته.

وربما لهذا بقي المشهد في ذاكرتي كل هذه السنوات؛ لأن الطبيعة كلما اقتربنا منها أكثر، اكتشفنا أن أعظم ما فيها قد يختبئ في أبسط التفاصيل.

عصفور صغير، وحفنة طين، ومنقار لا يكاد يحمل شيئاً… ثم بيت كامل.

وأحياناً، كل ما نحتاجه لنتعلم معنى الصبر والبناء، أن نرفع رؤوسنا قليلًا وننظر.

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد