بينك وبين الندم… لحظة لم تعشها معه

كتبت : حنان المطوع

كم مرة جلس بجانب أبيك أو أمك، لكنك لم تكن معهم حقاً؟ كم مرة كان وجهك مضيئاً… لكن بهاتفك، لا بهم؟ هل تذكر آخر مرة نظرت في عينيه طويلًا دون استعجال؟ آخر مرة سمعت القصة نفسها منه وكأنها تحكى لأول مرة؟ أم أنك اختصرت حضوره في “أنا مشغول الآن” وأجلت القلب إلى وقتٍ لا يأتي؟

كبار السن لا يقولون كل ما يشعرون به… لكن ملامحهم تفضحهم. ذلك الصمت الطويل ليس راحة، وذلك الشرود ليس نسياناً فقط، وذلك الضحك الخفيف ليس فرحاً كاملاً. هناك شيء ينكسر بهدوء في داخلهم كلما شعروا أنهم أصبحوا زائدين عن الحاجة، ضيوفاً في بيوتٍ كانوا هم أعمدتها، أو أسماءً تذكر أكثر مما تعاش.

هل تخيلت يوماً كيف يبدو اليوم عندهم؟ ساعات طويلة… أبطأ من اللازم… مليئة بالفراغ، مثقلة بالذكريات. يستعيدون وجوهاً رحلت، وأصواتاً خفتت، وأياماً كانوا فيها محور الحياة، ثم يفتحون أعينهم على واقعٍ صار فيه كل شيء مستعجل… إلا هم.

هم لا يحتاجون الكثير كما تظن. لا يبحثون عن كماليات، ولا ينتظرون معجزات. كل ما يريدونه أن يشعروا أنهم ما زالوا مهمين، أن وجودهم ليس عبئاً، أن كلماتهم تسمع، وأن أيديهم حين تمتد لا تترك معلقة في الهواء. يريدون كلمة دافئة، نظرة صادقة، جلسة بلا استعجال، حضوراً كاملاً لا نصف حضور.

أتعرف ما الذي يؤلمهم أكثر من المرض؟ أن يمرضوا ولا يجدوا من ينتبه. وما الذي يكسرهم أكثر من الكبر؟ أن يكبروا في عيون من كانوا يكبرون بهم. أن يصبحوا هم من ينتظر، بعد أن كانوا ينتظرون.

حين تقول له “بعد قليل”… هو لا يسمع وعداً، بل يسمع تأجيلًا قد لا يدركه الزمن.
حين ترفع صوتك… لا يسمع حدةً فقط، بل يشعر أن مكانته اهتزت. وحين تنشغل عنه… لا يرى انشغالك، بل يرى نفسه خارج أولوياتك.

تأمل جيداً… من كان يسهر لراحتك؟ من كان يراقب أنفاسك وأنت نائم؟ من كان يفرح لفرحك كأنه انتصر للعالم؟ من كان يضع نفسه في آخر الصف لتكون أنت في أوله؟ كيف صار اليوم ينتظر منك فتات وقتك… وأحياناً لا يجده؟

سيأتي يوم، قريب أكثر مما تظن، تجلس فيه المكان نفسه، لكن الكرسي المقابل سيكون فارغاً. ستشتاق لصوته حتى لو كان يكرر الحديث ذاته. ستتمنى لو أنه يناديك مرة واحدة فقط، لو يطلب منك شيئاً بسيطاً لتقوم به. ستدرك حينها أن كل لحظة كنت تؤجلها… كانت تسحب من رصيد لا يعوض.

لا أحد يخرج من هذه الدنيا وقد ندم على وقت قضاه مع والديه، لكن كثيرين يخرجون وهم يندمون على كل دقيقة لم يفعلوا فيها ذلك.

اقترب منهم… لا لأنهم يحتاجونك فقط، بل لأنك أنت ستحتاج هذا القرب يوماً ما. اجلس، اسمع، ابتسم، أمسك أيديهم وكأنك تمسك الزمن نفسه قبل أن يفلت. لا تبحث عن الكلمات الكبيرة، فالبسيط الصادق يصل أبعد بكثير.

كن لهم السند حين تميل الأيام بهم، وكن لهم الونس حين يطول الصمت، وكن لهم الابن الذي لا يخجلون به أمام ضعفهم. اخفض صوتك، اخفض جناحك، وامنحهم من قلبك قبل وقتك.

لأن الحقيقة التي لا نحب أن نواجهها… أنك يوماً ما ستصبح في مكانهم، وستنتظر من أحدهم أن يعاملك كما عاملت أنت من قبلك.

فاختر الآن… أي ذكرى تريد أن تتركها في قلبهم، وأي دعاء تريد أن يصعد لك منهم في جوف الليل.

  • Related Posts

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    كتبت : حنان المطوع هناك تواريخ تمر في حياتنا، وهناك تواريخ تسكن قلوبنا إلى الأبد. وكان العاشر من أكتوبر دائماً يوماً مميزاً بالنسبة لي، فهو يوم ميلادي، لكن هذا العام…

    Read more

    Continue reading
    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    كتبت : حنان المطوع الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقهننظر إلى البحر فنراه صفحة زرقاء ممتدة، ونظن أن ما تحتها عالم واحد متصل، لكن البحر أحياناً يخفي في…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    فيصل الشناوي.. عين المخرج التي تصنع الحكاية، واحتفال ترند التميز يحتفي بصُنّاع الإبداع برئاسة د. محمد هاشم.

    فيصل الشناوي.. عين المخرج التي تصنع الحكاية، واحتفال ترند التميز يحتفي بصُنّاع الإبداع برئاسة د. محمد هاشم.

    «محمود عامر.. لكل فنان بصمة، وللإبداع ذاكرة.. د. محمد هاشم يحتفي بنجوم عيلة مرزوق»

    «محمود عامر.. لكل فنان بصمة، وللإبداع ذاكرة.. د. محمد هاشم يحتفي بنجوم عيلة مرزوق»

    حين يتحدث تاريخ المسرح.. أحمد ماهر فارس الحضور المهيب في احتفال ترند التميز برئاسة د. محمد هاشم.

    حين يتحدث تاريخ المسرح.. أحمد ماهر فارس الحضور المهيب في احتفال ترند التميز برئاسة د. محمد هاشم.

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء