الملك الذي لم يحتج إلى تاج

كتبت : حنان المطوع

منذ أن عرف الإنسان البرية، وهو يمنح الألقاب للكائنات التي تخيفه أو تبهره، لكن الغريب أن الأسد لم يكن أسرع الحيوانات، ولا أضخمها، ولا حتى أكثرها عدداً، ومع ذلك ظل وحده يحمل لقب «ملك الغابة»، وكأن الأرض نفسها وافقت على تتويجه منذ البداية.

ربما لأن الملوك الحقيقيين لا يقاسون بالقوة وحدها، بل بالهيبة التي تسبقهم قبل أن يصلوا.

كان في مشية الأسد شيء يشبه اليقين.

لا يركض مذعوراً كالغزلان، ولا يختبئ خلف الأشجار، بل يسير بذلك الهدوء الغريب الذي يجعل حضوره يرى قبل أن يسمع.

وفي عينيه نظرة تشبه هدوء المحاربين القدماء؛ قوة لا تحتاج إلى كثير من الضجيج حتى تثبت وجودها.

ولعل الإنسان حين منحه لقب الملك لم يكن يقيس سرعته ولا حجمه، بل كان مأخوذاً بشيء آخر يصعب قياسه… الهيبة.

هناك حيوانات أضخم منه، وأخرى أسرع منه بكثير، وبعضها قد يكون أشد قوة في مواقف معينة، ومع ذلك لم تستطع أن تنتزع منه ذلك التاج الخفي الذي وضعته المخيلة البشرية فوق رأسه منذ زمن بعيد.

ولأن الحكايات أحياناً تقول ما تعجز الأرقام عن قوله، تخيلت ذات يوم مشهداً في غابة أنهكها موسم جاف.

قل الماء، واجتمعت الحيوانات حول النهر الوحيد الذي بقي يقاوم العطش.

كانت الغزلان تقترب بحذر، والطيور تهبط سريعاً ثم تعود إلى أغصانها، وكل كائن يبحث عن جرعة ماء تمنحه فرصة أخرى للحياة.

وفجأة…

دخل الإنسان إلى الغابة حاملًا بندقيته.

لم يأتِ لأنه جائع، ولم يكن يبحث عن طعام لأطفاله.

جاء باحثاً عن متعة الصيد، وعن صورة يعلقها يوماً على جدار بيته ليقول لمن يراها إنه انتصر على البرية.

كانت خطواته ثقيلة على الأرض.

هربت الطيور، واختفت الغزلان بين الأشجار، وسكن المكان كأن الغابة نفسها حبست أنفاسها.

فالحيوانات تعلمت منذ زمن بعيد أن الإنسان حين يدخل عالمها بالسلاح، تتغير قوانين الطبيعة كلها.

لكن فوق صخرة قريبة من النهر كان الأسد واقفاً.

يراقب.

ساكناً على نحو مخيف.

عيناه الذهبيتان تتبعان حركة الرجل، بينما الريح تعبث بشعر عرفه.

وفي مخيلتي بدا المشهد كأن الغابة كلها تقف خلفه.

اقترب الصياد.

رفع بندقيته.

وفي تلك اللحظة دوى زئير الأسد في المكان.

ارتجفت الطيور فوق الأغصان، وانطلق سرب كامل نحو السماء، وتردد الصوت بين الصخور حتى بدا كأن الغابة نفسها هي التي تزأر.

تقدم الأسد بضع خطوات.

لم يكن في حركته تهور، بل ذلك الثبات الذي يجعل الخوف أكثر وضوحاً في عيون من يقف أمامه.

تراجع الصياد خطوة دون أن يشعر.

لأول مرة لم يرَ أمامه صورة حيوان يريد اصطياده، بل رأى كائناً مهيباً يقف على أرضه وكأنه يقول بصمته:

هذه ليست صورتك التذكارية.

هذه حياتنا.

ظل الاثنان ينظران إلى بعضهما.

رجل يحمل بندقية.

وأسد لا يحمل شيئاً سوى حضوره.

ومع ذلك، بدا للحظة أن السلاح لم يعد هو الشيء الأقوى في المكان.

أنزل الرجل بندقيته ببطء.

ربما أدرك أن الرصاصة تستطيع إسقاط جسد، لكنها لا تستطيع أن تمنح صاحبها الهيبة التي كان يبحث عنها.

استدار ورحل.

وبقي الأسد فوق صخرته.

وعادت الغزلان إلى الماء شيئاً فشيئاً، وهبطت الطيور من جديد، واستعاد النهر أصواته الصغيرة التي أخافها حضور الإنسان.

وفي تلك الليلة، ارتفع القمر فوق الغابة وانعكس ضوؤه على صفحة الماء، بينما بقي الأسد جالساً وحده فوق الصخرة.

لا تاج فوق رأسه.

لا عرش تحته.

ولا أحد يصفق له.

ومع ذلك كان ملكاً.

ليس لأنه الأسرع.

ولا لأنه الأضخم.

ولا لأنه الأكثر شراسة.

بل لأن الملوك الحقيقيين لا تصنعهم التيجان…

إنما تصنعهم اللحظة التي يقفون فيها حين يتراجع الجميع

  • Related Posts

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    كتب : محمود هاشم تتقدم أسرة تحرير زهرة الخليج نيو بخالص الدعوات وأصدق الأمنيات بالشفاء العاجل للكابتن عمر نجاح، بطل العالم في كرة السرعة، بعد تعرضه لإصابة في الرباط الصليبي،…

    Read more

    Continue reading
    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    كتبت : حنان المطوع لم أكن أعلم أن زيارة عادية إلى عيادة الطبيبة ستتحول إلى حوار طريف عن العمر والشباب، ولا أن سؤالاً بسيطاً سيجعلني أستعيد أمامها فلسفة حياة لم…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك