القول الزائف والفعل الفاضح

كتبت : حنان المطوع

الشخصية التي تظهر للناس وجهاً وتخفي في داخلها وجهاً آخر، هي من أكثر الشخصيات التي تربك من حولها وتثير في النفوس شعوراً بالريبة وعدم الاطمئنان.

هذه الشخصية قد تتحدث بكلام جميل، وتظهر نوايا طيبة، لكن حين يأتي وقت الفعل نجدها تفعل العكس تماماً، وكأن ما قالته لم يخرج من فمها قط. التناقض بين القول والعمل ليس مجرد ضعف في المبدأ، بل هو في جوهره خلل في الصدق مع الذات والآخرين.هذه الازدواجية في التعامل تفقد الإنسان قيمته الحقيقية في أعين الناس، لأن الثقة تبنى بالكلمة الصادقة والفعل المطابق لها، فإذا انفصل الفعل عن القول ضاعت الثقة، وصار التعامل مع هذا الشخص مليئاً بالحذر والترقب.

كثيراً ما يبرر أصحاب هذه السلوكيات أنفسهم بأنهم “يتصرفون بحكمة” أو “يجاملون الموقف”، لكن الحقيقة أن هذا النوع من التصرفات ليس حكمة، بل هو مكر ناعم يختبئ خلف الأقنعة.الشخص الذي يعيش بهذا الشكل يتعب نفسه قبل أن يتعب غيره، لأنه مضطر دايماً لأن يتذكر ما قاله حتى لا ينكشف تناقضه، ويعيش في صراع داخلي بين ما يظهره للناس وما يخفيه في قلبه. ومع مرور الوقت، يفقد انسجامه الداخلي، ويغدو اسيراً لأدوار مصطنعة لا تشبهه.أما من حوله، فإنهم يتعلمون بمرور الزمن كيف يقرأون هذا الوجه المزدوج، وكيف يفهمون أن الكلمة منه لا يمكن أن تؤخذ على محمل الثقة. حينئذ يصبح صوته بلا وزن، ووجوده بلا أثر حقيقي، لأن الناس لا تصغي إلا لمن يصدقها.

إن أجمل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان هو الوضوح، حتى وإن كان صريحاً إلى حد يزعج البعض. فالكلمة الصادقة قد توجع لحظتها، لكنها تبني جسرا من الاحترام لا ينهار. أما الكلمة المنافقة، مهما كانت منمقة، فإنها لا تلبث أن تنكشف، ويظهر ما وراءها من زيف وخداع.فالصدق في القول والعمل ليس مجرد خلق نبيل نتغنى به، بل هو ميزان الإنسان الذي يظهر حقيقته ويصون كرامته. هو راحة للنفس من عناء التناقض، وطمأنينة للقلب من عبء التمثيل والتلون. بالصدق يعيش الإنسان كما هو، نقي النية، واضح الطريق، لا يخشى انكشافه ولا يخفي وجهه الحقيقي خلف قناع من المجاملة أو المصلحة. وعندما ينسجم قوله مع فعله، يصبح حضوره صادقاً وتأثيره عميقا، وتغدو كلمته مرآة لجوهره لا ظلا زائفا له. فليس أجمل من أن يعيش المرء في صفاء مع نفسه، قبل أن يسعى لصفاء علاقاته مع الآخرين، لأن من صدق مع ذاته صدق مع الحياة بأكملها.

  • Related Posts

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    كتبت : حنان المطوع هناك تواريخ تمر في حياتنا، وهناك تواريخ تسكن قلوبنا إلى الأبد. وكان العاشر من أكتوبر دائماً يوماً مميزاً بالنسبة لي، فهو يوم ميلادي، لكن هذا العام…

    Read more

    Continue reading
    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    كتبت : حنان المطوع الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقهننظر إلى البحر فنراه صفحة زرقاء ممتدة، ونظن أن ما تحتها عالم واحد متصل، لكن البحر أحياناً يخفي في…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    فيصل الشناوي.. عين المخرج التي تصنع الحكاية، واحتفال ترند التميز يحتفي بصُنّاع الإبداع برئاسة د. محمد هاشم.

    فيصل الشناوي.. عين المخرج التي تصنع الحكاية، واحتفال ترند التميز يحتفي بصُنّاع الإبداع برئاسة د. محمد هاشم.

    «محمود عامر.. لكل فنان بصمة، وللإبداع ذاكرة.. د. محمد هاشم يحتفي بنجوم عيلة مرزوق»

    «محمود عامر.. لكل فنان بصمة، وللإبداع ذاكرة.. د. محمد هاشم يحتفي بنجوم عيلة مرزوق»

    حين يتحدث تاريخ المسرح.. أحمد ماهر فارس الحضور المهيب في احتفال ترند التميز برئاسة د. محمد هاشم.

    حين يتحدث تاريخ المسرح.. أحمد ماهر فارس الحضور المهيب في احتفال ترند التميز برئاسة د. محمد هاشم.

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء