القلب الذي أراد أن يفهم الإنسان

كتبت : حنان المطوع .

في غرفة العمليات، تحت الضوء الأبيض الهادئ، كان القلب ينبض ببطء بينما يقف الجراح يتأمله بصمت. بالنسبة للطبيب ‘Nikolai Amosov’نيكولا اموسوف لم يكن هذا مجرد عضو في الجسد، بل لغزاً حاول أن يفهمه طوال حياته.

ولد أموسوف عام 1913 في بيئة بسيطة، وكانت والدته تعمل ممرضة. لكن المدهش في سيرته أنه لم يبدأ حياته طبيباً، بل مهندساً. هذا العقل الهندسي جعله ينظر إلى الجسد بطريقة مختلفة؛ فالقلب بالنسبة له نظام دقيق يشبه آلة معقدة، وإذا فهم الإنسان طريقة عملها يمكنه أن يحافظ عليها قبل أن تتعطل.

عندما اتجه إلى الطب أصبح واحداً من رواد جراحة القلب في القرن العشرين. أجرى آلاف العمليات المعقدة، وأسهم في تطوير تقنيات جراحية جديدة لعلاج صمامات القلب، وأسس مركزاً علمياً مهماً لجراحة القلب في كييف. لكن رغم نجاحه في إنقاذ حياة الكثيرين، بدأ سؤال آخر يشغله: هل يمكن للإنسان أن يحمي قلبه قبل أن يصل إلى غرفة العمليات؟

من هنا بدأت فلسفته الخاصة في الصحة. كان أموسوف يرى أن الطب يستطيع أن يساعد الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يعيش حياته بدلاً عنه. لذلك طرح ما سماه “نظام القيود والتمارين”، وهو أسلوب حياة يقوم على ثلاثة أمور بسيطة: الاعتدال في الطعام، الحركة اليومية، والانضباط في نمط الحياة. كان يؤمن أن القلب لا يضعف بسبب العمر فقط، بل بسبب الراحة الزائدة وقلة الحركة.

والأكثر إثارة أنه لم يكتف بالكلام، بل طبق هذه الفكرة على نفسه. حتى في سن متقدمة كان يمارس مئات التمارين يومياً، ويراقب نبض قلبه بدقة كما لو كان يراقب تجربة علمية. لقد جعل جسده مختبراً لأفكاره.

ولعل هذه الفلسفة تجعلنا نتأمل وصفة بسيطة عرفها الناس منذ زمن: خليط المكسرات والفواكه المجففة ممزوجة بالعسل. وقد اختار من المكسرات الأحسن منها إلا هي الجوز والوز والتين والمشمش والاراصيه، بطحنها مع بعض ويضيف اليها العسل الطبيعي الجيد وتكون بكميات متساويه قد تبدو مجرد طعام لذيذ، لكنها تجمع عناصر غذائية تمنح الجسد الطاقة وتغذي القلب، لذلك يسميها البعض إكسير الحياة.

لكن أموسوف كان يرى أن السر الحقيقي لا يكمن في وصفة واحدة، بل في أسلوب حياة كامل. فالقلب الذي كان يمسكه بين يديه في غرفة العمليات علمه درساً بسيطاً: أن صحة الإنسان تبدأ من عاداته اليومية قبل أن تبدأ من الأدوية والجراحة.

ومع مرور السنين، وبين آلاف العمليات التي أجراها، أدرك أموسوف حقيقة هادئة لكنها عميقة: أن أعظم ما يفعله الطبيب ليس إنقاذ القلب بعد أن يتعب، بل أن يعلم الإنسان كيف يحافظ عليه قبل أن يمرض.

بعد حياة كاملة قضاها في إصلاح القلوب، ترك لنا رسالة بسيطة لا تحتاج إلى مختبرات ولا جراحة لفهمها:
أن القلب الذي نحسن العناية به… نادراً ما يضطر للبحث عن طبيب.

  • Related Posts

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    كتبت : حنان المطوع هناك تواريخ تمر في حياتنا، وهناك تواريخ تسكن قلوبنا إلى الأبد. وكان العاشر من أكتوبر دائماً يوماً مميزاً بالنسبة لي، فهو يوم ميلادي، لكن هذا العام…

    Read more

    Continue reading
    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    كتبت : حنان المطوع الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقهننظر إلى البحر فنراه صفحة زرقاء ممتدة، ونظن أن ما تحتها عالم واحد متصل، لكن البحر أحياناً يخفي في…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    فيصل الشناوي.. عين المخرج التي تصنع الحكاية، واحتفال ترند التميز يحتفي بصُنّاع الإبداع برئاسة د. محمد هاشم.

    فيصل الشناوي.. عين المخرج التي تصنع الحكاية، واحتفال ترند التميز يحتفي بصُنّاع الإبداع برئاسة د. محمد هاشم.

    «محمود عامر.. لكل فنان بصمة، وللإبداع ذاكرة.. د. محمد هاشم يحتفي بنجوم عيلة مرزوق»

    «محمود عامر.. لكل فنان بصمة، وللإبداع ذاكرة.. د. محمد هاشم يحتفي بنجوم عيلة مرزوق»

    حين يتحدث تاريخ المسرح.. أحمد ماهر فارس الحضور المهيب في احتفال ترند التميز برئاسة د. محمد هاشم.

    حين يتحدث تاريخ المسرح.. أحمد ماهر فارس الحضور المهيب في احتفال ترند التميز برئاسة د. محمد هاشم.

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء