العلاقة بين المال والسعادة: هل السعادة تشترى؟

كتبت : حنان المطوع

ليس المال في ذاته مشكلة، ولا السعادة لغزا مستحيل الحل، لكن العجب كل العجب في تلك المسافة الغامضة التي تفصل بينهما. كم من إنسان ظن أنه إذا امتلك المال امتلك مفاتيح السعادة، وكم من آخر عاش ببساطة لكنه شعر أنه أغنى الناس، لا لأن جيبه ممتلئ، بل لأن قلبه عامر بالرضا.

وبين هذين النقيضين تتأرجح الحياة، تسألنا بصوت خافت وصادق: هل السعادة تشترى فعلا؟لا شك أن المال ضرورة لا يمكن إنكارها، فهو الذي يؤمن للإنسان راحته واحتياجاته ويجنبه هم السؤال وضيق العيش. ومع ذلك، فإن امتلاك المال لا يعني بالضرورة امتلاك السعادة. فكم من غني لا يعرف الطمأنينة، وكم من بسيط ينام مطمئنا كأن العالم بين يديه. فهل المشكلة في المال أم في الطريقة التي نفكر بها حياله؟ هل السعادة تقاس بما نملك، أم بما نشعر به تجاه ما نملك؟الجيل الجديد يعيش اليوم في عالم يغريه بالمظاهر ويقنعه أن الرفاهية مرادف للسعادة. ينظر الشاب إلى صور على الشاشات لأشخاص يسافرون ويلبسون أغلى الماركات ويبتسمون ابتسامات متقنة الإضاءة، فيظن أن السعادة شيء يمكن اقتناؤه أو تقليده. لكنه حين يحاول بلوغها يكتشف أن خلف تلك الصور وجوها متعبة وقلوبا قلقة. فيسأل نفسه: أأنا أبحث عن السعادة أم عن صورتها؟الحقيقة أن السعادة لا تشترى، بل تصنع. تصنع من لحظات الامتنان، من طيبة العلاقات، من القناعة بأن الحياة ليست سباقا وإنما رحلة نعيشها بخطوات متزنة. المال يستطيع أن يشتري الراحة، لكنه لا يستطيع أن يشتري راحة البال. يستطيع أن يشتري سريرا فخما، لكنه لا يشتري النوم الهانئ، يستطيع أن يشتري الهدايا، لكنه لا يشتري المحبة الصادقة.ولعل الجيل الجديد أحوج ما يكون إلى فهم هذه الحقيقة في زمن يتداخل فيه البريق بالوهم. السعادة ليست في كثرة ما نملك، بل في قدرتنا على الاستمتاع بما نملك. هي شعور داخلي لا يمنحه الآخرون ولا تصنعه الأسواق. هي قرار نأخذه كل صباح أن نعيش يومنا بامتنان مهما قل أو كثر ما لدينا.

وفي نهاية المطاف، تبقى العلاقة بين المال والسعادة كالعلاقة بين الجسد والروح: لا غنى لأحدهما عن الآخر، لكنهما لا يتساويان في القيمة. المال وسيلة للحياة، أما السعادة فهي معنى الحياة. ومن أدرك هذا التوازن عاش غنيا حتى وإن قل ماله، لأن السعادة الحقيقية لا تسكن الجيوب بل تسكن القلوب، ولا تقاس بما نشتري، بل بما نشعر حين نغلق أعيننا آخر اليوم ونهمس لأنفسنا بصدق: ربي، ما زلت ممتنا، وما زلت سعيدا رغم كل شئ

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد