الطابع البريدي… حين كانت الأوطان تسافر في بضعة سنتيمترات

كتبت : حنان المطوع

وجدت هذه الصور مصادفة وأنا أتصفح، فتوقفت عنده أكثر مما توقعت.

طوابع مغربية قديمة، صغيرة الحجم، تتغير فيها الوجوه والثياب والألوان من طابع إلى آخر. امرأة بزي صحراوي، وأخرى بلباس مختلف، وحلي وأغطية رأس وأقمشة تبدو كأنها جاءت من مدن وقبائل ومناطق متباعدة من المغرب.

في البداية نظرت إليها كصور جميلة من زمن مضى، ثم خطر في بالي سؤال:

لماذا كانوا يضعون كل هذه التفاصيل على شيء صغير سيلصق في زاوية ظرف؟

ومن هنا بدأت أبحث في حكاية الطابع البريدي، فاكتشفت أنني لم أكن أنظر إلى قطعة ورق صغيرة، بل إلى واحد من أصغر الأرشيفات التي حفظت ذاكرة الشعوب.

قبل ظهور الطابع كانت الرسائل تسافر، لكن أجرة البريد في أنظمة كثيرة كانت تحصل عند وصول الرسالة. ثم جاءت بريطانيا سنة 1840 بالطابع الشهير «Penny Black»، وعليه صورة الملكة فيكتوريا، فأصبح المرسل يدفع تكلفة البريد مقدماً ويلصق الطابع دليلاً على ذلك.

كانت الفكرة عملية وبسيطة، لكنها سرعان ما تحولت إلى شيء أكبر.

فالدول اكتشفت أن هذه المساحة الصغيرة التي تعبر الحدود يمكن أن تحمل صورتها إلى العالم.

وفي منطقتنا ظهرت الطوابع العثمانية سنة 1863، ثم أصدرت مصر أول طوابعها سنة 1866. وبعد عام واحد فقط ظهر على الطابع المصري ما لا يحتاج إلى كثير من التعريف: الهرم وأبو الهول.

وكأن مصر قالت للعالم من خلال بضعة سنتيمترات من الورق: هذه أنا.

ثم جاءت تجارب عربية أخرى؛ تونس أصدرت أول طوابعها سنة 1888، والحجاز ظهرت طوابعه سنة 1916 بزخارف مستوحاة من التراث، والعراق قدم في إصداراته الأولى سنة 1923 مشاهد وآثاراً من حضارته.

لكنني عدت إلى المغرب، لأن الفيديو الذي بدأ منه فضولي ظل حاضراً في ذهني.

قبل ظهور الطابع الحديث، عرف المغرب «البريد المخزني»، وكانت الرسائل تنتقل بين المدن بواسطة الرقاصين وتميز بالأختام. ثم جاء البريد الحديث، وصدر أول طابع للبريد الشريف المغربي سنة 1912.

ومع مرور السنوات لم يعد الطابع المغربي مجرد دليل على دفع أجرة رسالة.

أصبح يحمل جزءاً من المغرب نفسه.

ظهرت عليه الأزياء التقليدية، والحلي، والعمارة، والحرف، والوجوه القادمة من بيئات ومناطق مختلفة. وأصبح بعض الطوابع أشبه بصفحات صغيرة انتزعت من ألبوم كبير اسمه المغرب.

وهنا فهمت سر انجذابي إلى ذلك الفيديو.

فالمرأة التي تظهر بثوبها التقليدي ليست مجرد صورة جميلة لتزيين الطابع. لباسها يحكي. غطاء رأسها يحكي. حليها وألوان ثوبها وطريقة لف القماش قد تقودنا إلى منطقة وبيئة وذاكرة اجتماعية كاملة.

حتى الطابع الذي لفت انتباهي والمكتوب عليه «MSOUFFA» جعلني أتأمل كيف استطاعت قطعة ورق لا تتجاوز بضعة سنتيمترات أن تحفظ هيئة ولباساً وملامح زمن كامل.

وهذا لم يكن خاصاًً بالمغرب وحده.

ففي زمن لم تكن فيه هواتف ترسل الصور في ثانية، ولا مواقع تواصل تنقل المدن إلى شاشاتنا، كان الطابع يسافر نيابة عن الوطن.

رسالة تخرج من القاهرة وعليها الأهرامات قد تصل إلى شخص لم ير مصر قط. وطابع مغربي يحمل زياً تقليدياً قد يعبر البحر إلى بيت لم يزر صاحبه المغرب في حياته. وطابع من الحجاز أو العراق قد يحمل معه زخرفة أو أثراً أو مشهداً يعرف العالم بشيء من تاريخ المكان.

كانت الأوطان تسافر من دون أن تتحرك.

ولهذا لا أستطيع بعد اليوم أن أنظر إلى الطوابع القديمة باعتبارها مجرد هواية لهواة الجمع.

فالطابع يستطيع أن يخبرنا كيف أرادت دولة أن تقدم نفسها للعالم، وما الأثر الذي افتخرت به، وأي لباس أرادت أن تحفظه، وأي رمز اختارته ليكون صورتها خارج حدودها.

وربما لهذا أصبحت بعض الطوابع القديمة بعد عشرات السنين أثمن بكثير من القيمة الصغيرة المطبوعة عليها.

ليس لأن الورقة أصبحت أغلى…

بل لأن الزمن أصبح جزءاً منها.

وقد تكون الرسالة التي حملها الطابع قد اختفت منذ زمن. لا نعرف من كتبها، ولا من قرأها، وربما رحل الاثنان وبقيت حكايتهما مجهولة.

لكن الطابع بقي.

بقيت المرأة المغربية بثوبها، وبقي الهرم وأبو الهول، وبقيت الزخارف والآثار والأسماء التي أرادت البلدان أن تقدم بها نفسها إلى العالم.

بدأ الطابع يوماً كإثبات صغير بأن أجرة الرسالة قد دفعت.

ثم انتهى به الأمر إلى أن يصبح شاهداً على زمن كامل.

ولهذا عندما أشاهد ذلك الفيديو مرة أخرى، لن أرى مجموعة طوابع مغربية قديمة.

سأرى وطناً وجد طريقة عجيبة ليحفظ شيئاً من ذاكرته…

في بضعة سنتيمترات من الورق.

  • Related Posts

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    كتبت : حنان المطوع في بداية القرن العشرين، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم مصر الجديدة امتداداً واسعاً من الصحراء على أطراف القاهرة. لا شوارع مزدحمة، ولا عمارات، ولا ذلك…

    Read more

    Continue reading
    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    كتب : محمود هاشم في إطار حرصها على تعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الوعي بتاريخ مصر وبطولاتها العسكرية، نظّمت المدرسة الثانوية الفنية لمياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد زيارة لطلابها إلى…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    مدرسة مياه الشرب والصرف الصحي بمسطرد تُحيي روح أكتوبر في نفوس طلابها بزيارة إلى بانوراما حرب 1973

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    «أمنيات لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم» يكرّم نخبة من الإعلاميين وصنّاع المحتوى في دبي

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    التسامح قوة الروح الإنسانية

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    من فكرة سينمائية إلى مهرجان دولي.. هارون رشيد يطلق «عبر الثقافات» للأفلام القصيرة في ألمانيا

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد

    «إشادة من أعلى مستوى».. مدرسة مياه الشرب بمسطرد تتألق في الجودة وتحصل على الضوء الأخضر للتقدم للاعتماد