الحاوي في الطب…

كتبت : حنان المطوع

حين كان الرازي يسأل المريض قبل أن يصف الدواءقبل أكثر من ألف عام، كان مريض يدخل على طبيب يشكو ألماً في عينه أو حمى لا تفارقه أو وجعاً في معدته، ولم تكن هناك أشعة تكشف ما خفي، ولا تحاليل دم تعطي الإجابة، ولا أجهزة ترى ما يجري داخل الجسد.كان أمام الطبيب شيء واحد لا يمكن الاستغناء عنه حتى اليوم:المريض نفسه.ينظر إلى وجهه، ويسأله عن ألمه، ويراقب لون جلده وعينيه ونبضه وما تغير في جسده، ثم يقارن ما يراه بما شاهده في مرضى سبقوه.ومن بين الأطباء الذين جعلوا من هذه الملاحظة طريقاً إلى المعرفة برز أبو بكر محمد بن زكريا الرازي، الطبيب الذي ترك لنا واحداً من أضخم كتب الطب في الحضارة الإسلامية: «الحاوي في الطب».والاسم وحده يكشف طموح الكتاب.فهو «الحاوي» لأنه حاول أن يحوي قدراً هائلاً من المعرفة الطبية التي كانت متاحة في عصره، جامعاً أقوال أطباء اليونان وغيرهم، ثم يضيف إليها ملاحظاته وتعليقاته وخبرته مع المرضى.ولهذا فإن قراءة الحاوي تشبه أحياناً الدخول إلى عيادة عمرها أكثر من ألف سنة.نجد الأمراض، ثم الأعراض، ثم آراء الأطباء، وبعدها الأدوية التي كانت تستعمل آنذاك، وبين السطور يظهر الرازي وهو يناقش ويقارن ويلاحظ.ومن أكثر الأبواب إثارة للاهتمام ما كتبه عن العين.تحدث عن الرمد، وأوجاع العين، والأورام والانتفاخات، واضطرابات الجفن والبصر، وذكر عددا كبيراً من المواد التي كانت تدخل في علاجات العين في الطب القديم.فنجد الصمغ يدخل في بعض التركيبات الخاصة بأورام العين، كما نجد الورد ودهن الورد في علاجات أخرى، وتظهر مواد نباتية مثل الزعفران والحلبة والكزبرة ضمن وصفات متعددة.وكانت بعض العلاجات تعتمد على الكمادات والمواد الملطفة، وبعضها على المراهم والأكحال المركبة وفق تصور الأطباء في ذلك الزمن لطبيعة المرض.واللافت أن الرازي لم يكن مهتماً بالعين وحدها.في الحاوي نجد عالماً واسعاً من الطب القديم.ففي أمراض الجلد والجروح نجد استعمال العسل والزيوت والمراهم في عدد من التركيبات، وفي أمراض الجهاز الهضمي تظهر الأعشاب والأغذية وتنظيم الطعام جزءاً من العلاج، أما الحميات فكان الاهتمام فيها لا يقتصر على إعطاء الدواء، بل يمتد إلى مراقبة تطور الحرارة وحالة المريض وما يصاحبها من أعراض.كما اهتم الرازي بالأدوية المفردة والمركبة، وباختلاف تأثير العلاج من حالة إلى أخرى، وهو أمر مهم؛ لأن الحاوي لا يقدم لنا صورة طبيب يبحث عن دواء واحد يصلح لكل إنسان، وإنما يكشف عن محاولات مبكرة للتمييز بين الأمراض والحالات المختلفة.وكان للغذاء مكان واضح في الطب الذي سجله.فالطعام عند أطباء ذلك العصر لم يكن منفصلًا تماماً عن العلاج، بل كان اختيار ما يأكله المريض أو يمتنع عنه جزءاً من تدبير حالته.

وهي فكرة تغير تفسيرها العلمي كثيراً مع مرور القرون، لكن المبدأ العام، وهو أن حالة الإنسان الصحية تتأثر بما يأكله ويشربه، بقي حاضراً في الطب الحديث.ولعل أجمل ما نكتشفه في «الحاوي» أن الرازي لم يكن يخجل من أن يضع رأياً قديماً أمام تجربته وملاحظته.فالكتاب لم يكن مجرد صندوق للوصفات.كان مساحة للسؤال.ماذا قال الأطباء قبلي؟وماذا رأيت أنا؟وماذا حدث للمريض؟وهل أعطى العلاج النتيجة التي كنا ننتظرها؟وهنا تبدأ قيمة الرازي الحقيقية.فنحن اليوم لا نعود إلى «الحاوي» لكي نضع الصمغ أو ماء الورد أو الأعشاب في أعيننا، ولا لكي نصنع مراهمه في منازلنا؛ فالعين عضو شديد الحساسية، وبعض المواد القديمة قد تسبب التلوث أو الضرر، والطب الحديث يملك علاجات أكثر أماناً ودقة.نعود إليه لسبب أجمل بكثير.نعود لنرى كيف كان الإنسان يتعلم الطب قبل أن يمتلك أدوات الطب الحديث.كيف راقب الألم.كيف سجل الأعراض.كيف جمع معرفة من سبقه.وكيف امتلك الجرأة على أن يقارن ما قرأه بما رآه أمامه.مرت القرون، واختفت علاجات كثيرة، وتغيرت نظريات، وظهرت المضادات الحيوية والمختبرات والأشعة والجراحة المجهرية، وأصبح طبيب العيون اليوم قادراً على رؤية أجزاء لم يكن الرازي يستطيع حتى أن يتخيل تفاصيلها.ومع ذلك، بقي شيء من روح تلك العيادة القديمة حياً حتى الآن.فأمام كل جهاز حديث، لا يزال هناك طبيب يسأل مريضه:أين يؤلمك؟ ومتى بدأ الألم؟ وماذا تشعر؟وهنا ندرك لماذا بقي اسم «الحاوي في الطب» بعد أكثر من ألف عام.ليس لأن كل علاج ورد فيه بقي صحيحاً، ولا لأن الطب توقف عند الرازي، بل لأن صفحات هذا الكتاب تحفظ لنا لحظة عظيمة من تاريخ الإنسان…اللحظة التي لم يكتفِ فيها الطبيب بأن يرث المعرفة، بل بدأ يراقبها ويسألها ويختبرها، ثم يترك ملاحظاته لمن سيأتي بعده.وهكذا لم يكن «الحاوي» نهاية المعرفة الطبية في عصره…بل كان صفحة كبيرة في الطريق الطويل الذي أوصل الطب إلى ما هو عليه اليوم.

  • Related Posts

    هل نحن أسرى جينات آبائنا؟

    كتبت : حنان المطوع أحياناً لا نخاف من المرض عندما يأتي، بل نخاف منه قبل أن يأتي بسنوات. نراقب آباءنا وهم يتقدمون في العمر، نعرف أمراضهم، نحفظ أسماء أدويتهم، ونسمع…

    Read more

    Continue reading
    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    كتب : محمود هاشم تتقدم أسرة تحرير زهرة الخليج نيو بخالص الدعوات وأصدق الأمنيات بالشفاء العاجل للكابتن عمر نجاح، بطل العالم في كرة السرعة، بعد تعرضه لإصابة في الرباط الصليبي،…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    هل نحن أسرى جينات آبائنا؟

    هل نحن أسرى جينات آبائنا؟

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    حين سألتني الطبيبة عن سر الشباب

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    اسمعني بقلبك للكاتبه حنان المطوع .

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    دعاء وعل تستعيد حضورها الفني بـ«عالدلعونا» بعد أزمتها الصحية

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً

    جبر الخواطر : عباده خفيه لا تحتاج سجادة بل قلباً رحيماً ولساناً ليناً