كتبت : حنان المطوع

بعد أن عرفنا في الحلقة السابقة أن الانتباه هو البوابة الأولى التي تدخل منها المعرفة إلى الذاكرة، نكمل اليوم رحلتنا مع ابن سينا لنصل إلى مرحلة أخرى من مراحل تثبيت المعلومات… إنها قوة التكرار.
فالإنسان قد ينتبه إلى فكرة أو يسمع معلومة للمرة الأولى، لكنها قد تبقى عابرة إذا لم تجد طريقها إلى التثبيت. وهنا يظهر دور التكرار، فهو ليس مجرد إعادة للكلمات، بل عملية تمنح العقل فرصة لفهم ما تعلمه وربطه وترسيخه.
لقد أدرك ابن سينا أن النفس الإنسانية تحتاج إلى وقت وتدرج حتى تستقر فيها المعارف، وأن الأشياء التي نعود إليها مرة بعد أخرى تصبح أكثر قربا من الذهن وأكثر حضورًا في الذاكرة.
فكما أن الطريق الذي نسلكه باستمرار يصبح أوضح وأسهل، فإن المعلومة التي نزورُها مرات عدة تصبح أكثر رسوخًا في العقل. ولهذا كان التعلم عند ابن سينا لا يقوم على الحفظ السريع، بل على الفهم والمراجعة والتدرج.
واليوم يؤكد علم الأعصاب الحديث أن تكرار المعلومة يساعد الدماغ على تقوية الروابط بين الخلايا العصبية، مما يجعل استدعاءها لاحقًا أسهل وأسرع.
لكن ابن سينا لم يكن يرى التكرار وحده كافيًا، فالتكرار بلا فهم قد يتحول إلى كلمات محفوظة سرعان ما تتلاشى، أما حين يجتمع الفهم مع الانتباه والتكرار، فإن المعرفة تصبح جزءًا من العقل.
فكيف كان ابن سينا يرى علاقة الفهم بالحفظ؟ ولماذا اعتبر أن العقل لا يحفظ ما لا يفهمه؟ هذا ما سنكمله في الحلقة القادمة






