كتبت : جنان المطوع

بعد أن رحلنا مع ابن سينا في أسرار الذاكرة، من لحظة الانتباه الأولى إلى أثر الفهم والراحة والغذاء والمشاعر، نصل اليوم إلى سؤال يطرحه كثير من الناس: هل الذاكرة قدرة ثابتة يولد بها الإنسان فقط؟ أم أنها مهارة يمكن تدريبها وتقويتها؟
كان ابن سينا يرى أن قوى الإنسان العقلية تحتاج إلى عناية وتدريب، فالعقل مثل العضلة، كلما استخدمناه بطريقة صحيحة ازدادت قدرته ونشاطه.
ولم يكن التدريب عنده مجرد حفظ كميات كبيرة من المعلومات، بل كان يقوم على تنمية الفهم، والتأمل، وربط الأشياء ببعضها، لأن العقل الذي يفكر ويحلل يصبح أكثر قدرة على الاحتفاظ بالمعرفة.
فالذاكرة القوية لا تعتمد على كثرة ما نحفظه فقط، بل على الطريقة التي نتعامل بها مع ما نتعلمه. فالمعلومة التي نفهمها، ونربطها بتجاربنا، ونعود إليها بين وقت وآخر، تصبح جزءًا من بنائنا الفكري.
كما أن ابن سينا كان يدعو إلى الاعتدال في حياة الإنسان، لأن العقل يحتاج إلى توازن بين العمل والراحة، وبين النشاط والسكون، حتى يحافظ على صفائه وقدرته على الإدراك.
واليوم تؤكد العلوم الحديثة أن التعلم المستمر، والقراءة، وحل المشكلات، وممارسة النشاطات الذهنية تساعد على الحفاظ على مرونة الدماغ وتقوية قدراته.
فالعقل لا يتوقف عن التعلم ما دام الإنسان يمنحه الفرصة، والذاكرة ليست مجرد سجل للماضي، بل طاقة يمكن أن تنمو مع الاهتمام والرعاية.






