ابن البيطار.

كتبت : حنان المطوع .

ابن البيطار.

لم يكن ابن البيطار عالماً يجلس بين الجدران ينتظر أن تأتيه المعرفة، بل كان يمشي إليها… يجوب الأرض كما يجوبها عاشق يبحث عن أثر محبوبته. ولد في مالقة بالأندلس أواخر القرن السادس الهجري، في زمنٍ كانت فيه الحضارة الإسلامية تموج بالعلم والترجمة والاكتشاف، فنشأ بين بيئة تقدر العلم وتوقر أهله.

ورث لقبه عن والده الذي كان “بيطار” يعالج الخيول، لكن الابن اختار أن يعالج الإنسان. لم يكتفِ بما بين يديه من كتب السابقين، بل خرج إلى الطبيعة نفسها، يراقب النبات في موطنه، ويتأمل أثره، ويقارن بين ما يقال عنه وما يراه بعينه. سافر إلى المغرب والجزائر وتونس ومصر وبلاد الشام والأناضول، يجمع الأعشاب، ويدون الملاحظات، ويسأل أهل الخبرة، وكأن الأرض كلها كانت مختبره المفتوح.

في مصر، في ظل الدولة الأيوبية، نال مكانة رفيعة وعين رئيساً للعشابين. وهناك بدأ عمله الأكبر: كتاب “الجامع لمفردات الأدوية والأغذية”، موسوعة ضخمة ضمت وصف أكثر من 1400 نبات وعقار، مع شرح خصائصها الطبية وطرق استعمالها، وتصحيح أخطاء من سبقه إن وجد. لم يكن ناقلًا فحسب، بل ناقداً ومحققاً ومجرباً. وله ايضاً كتاب “المغني في الأدوية المفردة” الذي رتب فيه الأدوية بحسب الأمراض، ليسهل على الأطباء الوصول إلى العلاج.

تميز ابن البيطار بمنهجٍ علمي سبق زمانه؛ فقد كان يعتمد على التجربة والمشاهدة المباشرة، ويذكر اختلاف الآراء ويرجح بينها، ويشير إلى ما اختبره بنفسه. لذلك لم تكن كتبه مجرد تجميع، بل كانت إضافة حقيقية للمعرفة الإنسانية. وقد ترجمت مؤلفاته إلى اللاتينية، وظلت مراجع معتمدة في أوروبا لقرون طويلة.

توفي في دمشق عام 1248م، لكن أثره لم يمت. بقي اسمه شاهداً على زمنٍ كان فيه العالم المسلم رحالة في طلب العلم، يجمع بين الإيمان والعقل، بين الطبيعة والكتاب.

وابن البيطار يذكرنا اليوم بأن المعرفة لا تأتي إلى من ينتظرها، بل إلى من يسعى إليها، يمشي في دروبها، ويتحمل عناء الطريق… فالعلم، كما علمنا، رحلة لا تنتهي.
[3:51 ص، 2026/3/3] ⁦+971 50 622 2095⁩: اللهم يا حي يا قيوم، يا من بيده ملكوت السماوات والأرض، نسألك في هذا الشهر المبارك أن تحفظ بلادنا بحفظك الذي لا يرام، وأن تكلأها بعينك التي لا تنام.

  • Related Posts

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    كتبت : حنان المطوع هناك تواريخ تمر في حياتنا، وهناك تواريخ تسكن قلوبنا إلى الأبد. وكان العاشر من أكتوبر دائماً يوماً مميزاً بالنسبة لي، فهو يوم ميلادي، لكن هذا العام…

    Read more

    Continue reading
    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    كتبت : حنان المطوع الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقهننظر إلى البحر فنراه صفحة زرقاء ممتدة، ونظن أن ما تحتها عالم واحد متصل، لكن البحر أحياناً يخفي في…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    10/10/2026… يوم لم يشبه أي يوم في حياتي

    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    الثقب الأزرق… حين يخفي البحر بئرً في أعماقه

    فيصل الشناوي.. عين المخرج التي تصنع الحكاية، واحتفال ترند التميز يحتفي بصُنّاع الإبداع برئاسة د. محمد هاشم.

    فيصل الشناوي.. عين المخرج التي تصنع الحكاية، واحتفال ترند التميز يحتفي بصُنّاع الإبداع برئاسة د. محمد هاشم.

    «محمود عامر.. لكل فنان بصمة، وللإبداع ذاكرة.. د. محمد هاشم يحتفي بنجوم عيلة مرزوق»

    «محمود عامر.. لكل فنان بصمة، وللإبداع ذاكرة.. د. محمد هاشم يحتفي بنجوم عيلة مرزوق»

    حين يتحدث تاريخ المسرح.. أحمد ماهر فارس الحضور المهيب في احتفال ترند التميز برئاسة د. محمد هاشم.

    حين يتحدث تاريخ المسرح.. أحمد ماهر فارس الحضور المهيب في احتفال ترند التميز برئاسة د. محمد هاشم.

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء

    قصر البارون… حين خرجت مدينة من قلب الصحراء