كتبت : حنان المطوع

طلبت معلمة من طلابها أن ينظروا إلى رسم كرسي على ورقة اختبار، ثم سألتهم سؤالًا بدا في غاية البساطة:
“ما أهم جزء في هذا الكرسي؟”
تسابقت الإجابات. هذا قال الأرجل لأنها تحمل الوزن، وذاك قال المقعد لأنه سبب وجود الكرسي، وآخر قال الظهر لأنه يمنح الراحة. كانت كلها إجابات منطقية، وكلها تنظر إلى ما تراه العين.
ابتسمت المعلمة وقالت: “بل أهم جزء فيه هو المسمار.”
ساد الصمت.
كيف يمكن لقطعة صغيرة من الحديد، لا يلتفت إليها أحد، أن تكون أهم من كل ما يراه الناس؟
لأن الإنسان بطبعه يعشق الظاهر. يصفق للشكل، ويعجب بالحجم، ويمنح القيمة لما يلفت الانتباه، بينما القوة الحقيقية غالباً تختبئ في الأشياء التي لا يتوقف عندها أحد.
في حياتنا أيضاً، نحن لا نسقط غالباً بسبب الأشياء الكبيرة، بل بسبب الأشياء الصغيرة التي أهملناها طويلاً.
كلمة لم نعتذر عنها.
عادة سيئة قلنا إنها بسيطة.
وعد ظنناه لا يستحق الوفاء.
دعاء تركناه لأننا استعجلنا النتائج.
ضمير سكت مرة، ثم اعتاد الصمت.
كلها مسامير صغيرة… لكن عندما تتفكك، يبدأ الكرسي كله بالاهتزاز.
ولذلك أخطأ الطلاب جميعاً، لأنهم بحثوا عن الجزء الذي يظهر، ولم يسألوا أنفسهم: ما الذي يجعل كل هذه الأجزاء تعمل معاً؟
وهذه ليست مشكلة فصل دراسي، بل مشكلة حياة كاملة.
كم مرة انبهرنا بشخص لأنه ناجح، ولم نرا سنوات الصبر التي كانت مساميره الخفية؟
وكم مرة حسدنا إنساناً على مكانته، ولم نرا الليالي التي دفعها ثمناً لها؟
وكم مرة حكمنا على علاقة بأنها مثالية، ولم نعلم أن الذي أبقاها قائمة هو ألف تنازل صغير لم يتحدث عنه أحد؟
ليس كل ما يحمل الحياة يكون مرئياً.
فالجذور لا يراها أحد، لكنها تحمل الشجرة.
والأساسات لا يراها أحد، لكنها تحمل المباني.
ودقات القلب لا يسمعها الناس، لكنها تحمل الإنسان.
بل حتى التاريخ نفسه لم يصنعه دائماً أصحاب الأسماء الكبيرة، وإنما صنعته في كثير من الأحيان أفعال صغيرة، قام بها أشخاص لم تكتب أسماؤهم في الكتب.
ربما لهذا السبب، علينا أن نعيد النظر في طريقة تقييمنا للأشياء. فليس كل ما يلمع هو الأهم، وليس كل ما اختفى كان قليل القيمة.
ففي نهاية الأمر… قد يقضي الناس حياتهم معجبين بشكل الكرسي، بينما الذي كان يحمله بصمت… مجرد مسمار.






