كتبت : حنان المطوع

اختفت من حياتنا… وما ودعناها.
لا أظن أن الأشياء ترحل فجأة.
هي تغادر بهدوء، قطعة بعد قطعة، حتى يأتي يوم ننظر حولنا فنكتشف أن كل ما اعتدنا وجوده أصبح ذكرى، وأننا لم ننتبه للحظة الوداع.
أتأمل هذه الصورة، فأشعر أنها ليست مجموعة أشياء قديمة، بل صفحة من حياتنا.
هاتف ثابت، شريط كاسيت، جرس باب، ألبوم صور، فنجان شاي، جهاز نوكيا…
كلها أشياء كانت عادية جداً في وقتها، حتى إننا لم نتخيل يوماً أننا سنشتاق إليها.
كان الهاتف لا يرن كثيراً، ولهذا كنا نفرح عندما يرن. وكان الجميع يلتف حوله، وكأن المكالمة تخص البيت كله، لا شخصاً واحداً.
وكان جرس الباب يحمل معه إنساناً، لا مندوب توصيل. لم تكن الزيارة تحتاج موعداً، ولا رسالة تقول: “هل يناسبكم أن آتي؟” كان الناس يأتون لأن القلوب كانت مفتوحة قبل الأبواب.
أما شريط الكاسيت، فلم يكن مجرد وسيلة لسماع الأغاني. كان يحمل مرحلة كاملة من العمر. إذا تشابك الشريط أصلحناه بقلم، وإذا انقطع شعرنا وكأن جزءاً من ذكرياتنا قد انقطع معه.
وكانت الصور شيئاً آخر.
لم نكن نلتقط مئات الصور في اليوم، لذلك كانت كل صورة تستحق أن تحفظ، وأن تنظر بعد سنوات، وأن تروي حكاية لا تزال حية في الذاكرة.
ثم تغير كل شيء…
أصبح الهاتف في يد كل إنسان، لكننا أصبحنا نتحدث أقل.
وأصبحت الصور بلا عدد، لكن قيمتها أصبحت أقل.
وأصبحت الموسيقى تصل في ثانية، لكنها لم تعد تحمل ذلك الانتظار الذي كان يجعلها أجمل.
كل شيء أصبح أسرع…
إلا الذكريات.
ما زالت تسير بخطواتها القديمة، وتعود إلينا كلما رأينا شيئاً من هذا الزمن.
وأعتقد أننا لا نشتاق إلى الهاتف، ولا إلى الكاسيت، ولا إلى جهاز نوكيا.
نحن نشتاق إلى أنفسنا.
إلى ذلك الإنسان الذي كان ينتظر الرسالة، ويحتفظ بالصورة، ويجلس مع أسرته حول مكالمة واحدة، ويعتبر الزيارة أجمل من مئة محادثة.
لقد أخذت التكنولوجيا مكان تلك الأشياء، وهذا طبيعي، فالحياة تتغير، ولا أحد يستطيع أن يوقف الزمن.
لكن السؤال الذي ما زال يرافقني كلما رأيت صورة كهذه…
هل كانت تلك الأشياء هي التي صنعت الزمن الجميل… أم أن الإنسان في ذلك الزمن هو الذي منح الأشياء كل هذا الجمال؟






