حمامات البخار… حين عرف الإنسان الدفء قبل السخانات

كتبت : حنان المطوع

قبل أن ندير صنبورا فينزل منه الماء الساخن، وقبل أن تدخل السخانات إلى بيوتنا، وقبل أن نعرف التدفئة الأرضية التي نعدها اليوم من مظاهر الرفاهية الحديثة، كان الإنسان قد وجد منذ أكثر من ألفي عام طريقة عجيبة ليصنع الدفء تحت قدميه. والحكاية تبدأ من الحمام. قد يبدو الأمر بسيطا بالنسبة إلينا اليوم، ندخل الحمام ونفتح الماء الساخن فيمتلئ المكان بالبخار خلال دقائق، ولا نفكر كثيرا في الرحلة الطويلة التي قطعها الإنسان حتى وصل إلى هذه السهولة، لكن ماذا كان يفعل الناس حين لم تكن هناك كهرباء ولا سخانات ولا أنابيب حديثة؟

عرفت الحضارات القديمة الاستحمام قبل الرومان، لكن الرومان أخذوا فكرة الحمامات العامة إلى مستوى آخر تماما، فبنوا منشآت ضخمة لم تكن مجرد أماكن يغتسل فيها الناس، بل أماكن للقاء والراحة والرياضة والحديث وقضاء جزء من اليوم، وكان عليهم أن يجدوا حلا لمشكلة أساسية: كيف يسخنون هذه المساحات الكبيرة؟ لم يكن الحل أن يضعوا النار داخل الحمام، وإنما أن يخفوها تحته.

طور الرومان نظاما عرف باسم “الهيبوكوست”، يقوم على رفع أرضية بعض أجزاء الحمام فوق دعامات صغيرة، ثم إشعال النار في فرن قريب، فيمر الهواء الساخن في الفراغ الموجود تحت الأرضية فتسخن الحجارة من أسفل، وفي بعض المنشآت كانت الحرارة تمر أيضا عبر تجاويف في الجدران. بمعنى آخر، كان الإنسان يمشي فوق أرضية دافئة قبل أكثر من ألفي عام، وهو أمر يثير الدهشة عندما نرى اليوم التدفئة الأرضية تقدم في البيوت والفنادق الحديثة باعتبارها إحدى وسائل الراحة المتطورة.

لكن الرومان لم يكونوا آخر فصل في الحكاية، فبلاد الشام نفسها عاشت قرونا ضمن العالم الروماني ثم البيزنطي، وكانت الحمامات جزءا من مدن المنطقة، وعندما دخلت المنطقة العصر الإسلامي لم تختف تلك المعرفة المعمارية والهندسية فجأة، بل استمرت خبرات البناء والمياه والتسخين وتطورت الحمامات مع الزمن، وأخذت شكلا يناسب حياة المدن الإسلامية وعادات أهلها، ومن هنا نصل إلى الحمام الشامي.

في دمشق وحلب وغيرهما من مدن الشام أصبح الحمام عالما قائما بذاته. يدخل الإنسان من الخارج فيترك وراءه ضجيج الشارع وملابسه وهموم يومه، ثم ينتقل تدريجيا بين أقسام تختلف في حرارتها، من القسم الخارجي المخصص للاستراحة وتبديل الملابس إلى منطقة أكثر دفئا، ثم إلى القسم الساخن حيث ترتفع الحرارة ويملأ البخار المكان.

وكان وراء هذا الدفء نظام لا يراه المستحم، ففي الجزء الخدمي من الحمام يوجد الفرن، وتسخن المياه في مراجل كبيرة، وتستفاد من حرارة النار والهواء الساخن في تدفئة أجزاء من الحمام وأرضياته عبر ممرات وفراغات مخصصة لذلك. كانت النار بعيدة عن أعين الناس، لكن دفأها يصل إليهم من تحت أقدامهم، ولعل هذا هو أكثر ما يثير الخيال في الحمامات القديمة: أن تدخل في ليلة شتوية باردة، وتغلق خلفك باب الحمام، ثم تمشي فوق حجر دافئ بينما يتصاعد البخار حولك، من دون سخان كهربائي أو جهاز تدفئة أو أي تقنية من التقنيات التي نعرفها اليوم.

ولم يكن الحمام الشامي قصة هندسة فقط، بل كان قصة مجتمع أيضا، فقد كان الناس يذهبون إليه للنظافة والراحة، لكنه كان كذلك مكانا للقاء وتبادل الأحاديث، وارتبط بالأعراس والمناسبات واجتماعات النساء في أوقاتهن المخصصة، حتى أصبح جزءا من الذاكرة الشعبية للمدينة. وكان لكل تفصيل فيه وظيفة، من القبة المرتفعة والفتحات الصغيرة التي يتسلل منها الضوء إلى الحجر الذي يحتفظ بالحرارة وطريقة انتقال المستحم تدريجيا من مكان أقل حرارة إلى آخر أكثر سخونة. لم يكن البناء عشوائيا، بل كان الحمام نفسه أشبه بآلة كبيرة تعمل بالنار والماء والحجر والهواء.

ولعل أجمل ما تكشفه هذه الحكاية أننا كثيرا ما نظن أن كل فكرة نراها حديثة قد ولدت في عصرنا. نحن اليوم نتحدث عن التدفئة الأرضية وغرف البخار والمنتجعات الصحية والانتقال بين درجات الحرارة المختلفة وكأنها ابتكارات جديدة تماما، بينما عرف الإنسان القديم كثيرا من مبادئها، وإن استخدم لتحقيقها وسائل أبسط وأكثر مشقة.

لقد بدأت الفكرة قبل الحمام الشامي بقرون، وطور الرومان أنظمة متقدمة لتسخين حماماتهم من تحت الأرض، ثم استمرت تقاليد الحمامات في شرق المتوسط وازدهرت في الحضارة الإسلامية، حتى أصبح الحمام الشامي واحدا من أجمل صورها. وهكذا عندما ندخل اليوم حمام بخار حديثا ونشعر بالحرارة تحيط بنا، قد يبدو لنا أننا أمام اختراع من زمننا، لكن خلف ذلك البخار حكاية أطول بكثير، حكاية نار أخفاها الإنسان تحت الأرض منذ أكثر من ألفي عام، وماء تعلم كيف يسخنه، وحجر عرف كيف يحتفظ بحرارته، وحضارات أخذت الفكرة من زمن إلى زمن وأضافت إليها شيئا من حياتها، حتى وصل الدفء إلينا.

وربما تغيرت السخانات، وتغيرت الأبنية، وتغيرت المدن، لكن رغبة الإنسان في الماء والدفء والراحة بقيت كما هي.

  • Related Posts

    منتخب مصر لكرة السرعة ينهي استعداداته للحفاظ علي لقبه في بطولة العالم السابعة و الثلاثين بالقاهرة.

    كتب : نبيل امام يضع المنتخب الوطني اللمسات الأخيرة استعداداً لخوض غمار بطولة العالم لكرة السرعة و التي تستضيفها مصر في صالة ٣ بمجمع الصالات المغطاة بمدينة نصر. وصرح الكابتن…

    Read more

    Continue reading
    دموع … محمد صلاح.

    عاجل.. صلاح شاف اسمها في الورق فجأة انهار وبكى 😭 القصة اللي هزت ليفربول ومصر كلها في دقايق 🔥محمد صلاح كان قاعد بيراجع أوراق دعم لأهل قريته نجريج..بيقلب ورقة ورقة..…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    حمامات البخار… حين عرف الإنسان الدفء قبل السخانات

    حمامات البخار… حين عرف الإنسان الدفء قبل السخانات

    من يقف أمام تنفيذ قانون البناء الموحد ؟!

    من يقف أمام تنفيذ قانون البناء الموحد ؟!

    منتخب مصر لكرة السرعة ينهي استعداداته للحفاظ علي لقبه في بطولة العالم السابعة و الثلاثين بالقاهرة.

    منتخب مصر لكرة السرعة ينهي استعداداته للحفاظ علي لقبه في بطولة العالم السابعة و الثلاثين بالقاهرة.

    دموع … محمد صلاح.

    دموع … محمد صلاح.

    هل نحن أسرى جينات آبائنا؟

    هل نحن أسرى جينات آبائنا؟

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح

    أسرة زهرة الخليج نيو تتمنى الشفاء العاجل لبطل العالم في كرة السرعة الكابتن عمر نجاح