لا تُنفق عمرك كله… واترك شيئاً لنفسك

كتبت : حنان المطوع

أحياناً لا نحتاج إلى درس جديد في الحياة، بل إلى لحظة نتوقف فيها أمام ما علمتنا إياه السنوات، فنكتشف أننا لم نخسر بعض الأشياء لأننا لم نعرف قيمتها، بل لأننا منحناها أكثر مما ينبغي. كم مرة أعطينا من قلوبنا حتى أرهقناها، وتحدثنا بصدق فوجدنا كلماتنا في غير موضعها، وصدقنا حكايات لم نعرف بداياتها، وانخدعنا بمظاهر اكتشفنا متأخرين أنها لم تكن سوى ستائر تخفي وراءها حقائق مختلفة؟ ولعل أغرب ما في الإنسان أنه لا يتعلم دائماً من النصائح التي يسمعها، بل من الثمن الذي يدفعه حين يتجاهلها.في بدايات العمر نعتقد أن الحياة تكافئنا بقدر ما نعطيها، فنفتح أيدينا وقلوبنا بلا حساب، وكأن ما نملكه اليوم سيبقى معنا إلى الأبد. ثم تمر السنوات لنعرف أن الكرم لا يعني أن نفرغ جيوبنا، كما أن المحبة لا تعني أن نستنزف أرواحنا. فالمال الذي ندخره ليس مجرد أوراق نحتفظ بها ليوم مجهول، بل شيء من الأمان نصنعه لأنفسنا، تماماً كما نحتفظ في أعماقنا بمساحة صغيرة لا يصل إليها أحد، مهما بلغت محبتنا له. وليس في ذلك أنانية، فحتى الأشجار التي تمنحنا ثمارها تحتفظ بجذورها عميقاً في الأرض، لأنها تعرف بطبيعتها أن العطاء لا يستمر إن فقد مصدره.ولعل الكلمات تشبه المال أكثر مما نظن، فكلاهما قد نندم على إنفاقه في غير موضعه. هناك أسرار خرجت في لحظة ثقة ولم تعد، وكلمات قيلت بحسن نية فتحولت على ألسنة الآخرين إلى حكايات لم نقصدها. ومع ذلك نظل نعتقد أن الصراحة تقتضي أن نقول كل ما نعرف، حتى تعلمنا التجارب أن بعض الصمت ليس خوفاً، بل رقي في التعامل مع الحياة. فليس كل ما يدور في عقولنا يحتاج إلى صوت، ولا كل حقيقة تحتاج إلى جمهور، وأحياناً تكون أجمل الكلمات تلك التي عرفنا متى نحتفظ بها.وإذا كانت الكلمات قد تجرح حين نقولها، فإنها قد تظلم حين نصدقها. فما أسهل أن تصلنا حكاية عن إنسان، وما أصعب أن نعرف الحقيقة التي غابت عنها! نسمع نصف القصة فنتخيل نصفها الآخر، ثم نبني أحكامنا وكأننا كنا شهوداً على كل تفاصيلها. وربما لهذا السبب خسر كثيرون أشخاصاً أحبوهم، لا بسبب ما فعلوه، بل بسبب ما قيل عنهم. والغريب أننا نطالب الآخرين بأن يفهمونا قبل أن يحكموا علينا، بينما ننسى أحياناً أن نمنحهم الحق نفسه.ولم تعد آذاننا وحدها معرضة للخداع، فقد أصبحت أعيننا أيضاً شريكة في صناعة الأوهام. نفتح هواتفنا فنرى بيوتاً تلمع، ووجوهاً تبتسم، وموائد عامرة، ورحلات لا تنتهي، فنظن أن السعادة تسكن هناك، بعيداً عن حياتنا العادية. ولا يخطر ببالنا أن الصورة لا تخبرنا بما حدث قبل التقاطها، ولا بما جرى بعدها. قد تختبئ خلف ابتسامة جميلة دمعة مؤجلة، وخلف باب فاخر حياة تفتقد الطمأنينة. ومع ذلك نقارن أيامنا بكل ما نراه، وننسى أن أجمل ما نملكه ربما لا يصلح للتصوير، لأنه يسكن في راحة البال، وفي جلسة عائلية دافئة، وفي قلب لا يحتاج إلى التظاهر بالسعادة حتى يشعر بها.ومع تقدم العمر تتغير نظرتنا إلى أشياء كثيرة. لا نعود مبهورين بكل ما يلمع، ولا متحمسين لكل ما يقال، ولا مستعدين لأن نمنح كل ما لدينا لإثبات محبتنا لأحد. نصبح أكثر ميلاً إلى البساطة، وأشد تقديراً للهدوء، وأقدر على التمييز بين من يحبنا ومن يحب ما نقدمه له. وليس معنى ذلك أن السنوات جعلتنا أقل طيبة، بل ربما جعلتنا أكثر فهماً لمعنى الطيبة نفسها، تلك التي لا تلغي العقل ولا تطلب من صاحبها أن يكون آخر المستفيدين من قلبه.ومع كل ذلك، لا أريد أن نعيش ونحن نحسب كل كلمة، ونشك في كل إنسان، ونخاف من كل خطوة. فما قيمة الحياة إن فقدنا عفويتنا وجمال ثقتنا بالآخرين؟ إنما الجمال أن نعطي دون أن نفقد، ونثق دون أن نغمض أعيننا، ونتحدث دون أن نجرح، ونرى الأشياء بقلوبنا وعقولنا معاً. فالحكمة ليست أن نصبح أكثر حذراً من الحياة، بل أن نصبح أكثر وعياً ونحن نعيشها.ولعل أجمل ما أدركته من هذه الكلمات أن الإنسان يقضي نصف عمره يتعلم كيف يمتلك الأشياء، ثم يقضي نصفه الآخر يتعلم كيف يحافظ عليها. وبين النصفين تضيع أموال، وتتبدد كلمات، وتنطفئ ثقة، وتسقط أقنعة، لكن يبقى الدرس الأهم أن نحافظ على شيء من أنفسنا لا تستهلكه الأيام.فالحياة لا تطلب منا أن نعطيها كل ما نملك حتى تثبت أننا عشناها بصدق، بل أن نعرف كيف نعيشها دون أن نفقد أنفسنا في الطريق. وربما تكون أعظم حكمة نصل إليها متأخرين، أن بعض ما احتفظنا به لأنفسنا لم يكن حرماناً للآخرين… بل كان إنقاذاً لما تبقى منا.

  • Related Posts

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    كتبت : حنان المطوع بعد أربعة وأربعين عاماً، عاد التاريخ ليفتح إحدى صفحاته الملكية، حين استقبلت بريطانيا السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، في زيارة دولة أعادت إلى الذاكرة زيارة…

    Read more

    Continue reading
    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    كتب : مصطفى محمد اتحاد الكرة يعلن مواجهات دور الـ32.. وصدامات مرتقبة في الطريق إلى النهائي أسفرت قرعة دور الـ32 من بطولة كأس مصر لكرة القدم للموسم الرياضي 2026-2027، التي…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    من مسقط إلى ويندسور… حين يتحدث التاريخ بلغة الملوك

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    قرعة نارية لكأس مصر 2026-2027.. الأهلي والزمالك على طريق المنافسة وبيراميدز يسعى للحفاظ على اللقب

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    «مياه القاهرة» تقود تحالفًا مجتمعيًا لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك للمياه

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أبو قرن الكبير… حين يصبح الحب نافذة في جذع شجرة

    أكثر من 300 رسالة أمل للمكفوفين.. الدكتور محمد الحوسني يقود مبادرة عربية تصنع «نقطة تحول» في مصر.

    أكثر من 300 رسالة أمل للمكفوفين.. الدكتور محمد الحوسني يقود مبادرة عربية تصنع «نقطة تحول» في مصر.

    مجدي يعقوب… الرجل الذي لم يكتفِ بإصلاح القلوب، بل أعاد إليها الأمل

    مجدي يعقوب… الرجل الذي لم يكتفِ بإصلاح القلوب، بل أعاد إليها الأمل