كتبت : حنان المطوع

قد تسمع صوته قبل أن تراه، فتظن أن خلف الميكروفون مغنياً قادماً من أحد نوادي الجاز في نيويورك أو لندن. نبرة مختلفة، لغة إنجليزية، وأداء يأخذك إلى البلوز والجاز والروك. لكن ما إن تراه حتى تتغير الصورة تماماً: غترة وعقال، وزي إماراتي، وشاب لا يحاول أن يتخفى خلف صورة غربية كي يقنعك بما يغنيه.إنه ماجد ناصر، المعروف فنياً باسم «المايدي»، الذي اختار طريقاً ليس مألوفاً كثيراً في المشهد الفني الإماراتي؛ أن يغني باللغة الإنجليزية، وأن يدخل إلى ألوان موسيقية عالمية، لكن من دون أن يترك هويته خارج المسرح.
واللافت في حكايته أن ما نراه اليوم لم يبدأ بفيديو انتشر فجأة على وسائل التواصل. خلف هذا الصوت سنوات طويلة من التدريب الذاتي. فقد تحدث ماجد عن رحلة بدأت قبل نحو خمسة عشر عاماً، وعن ساعات طويلة كان يقضيها في الاستماع إلى أصوات المطربين، ومحاولة فهم تقنياتهم، وتدريب صوته على أداء ألوان موسيقية ليست سهلة، رغم أنه لم يدرس الموسيقى دراسة أكاديمية.
وظل سنوات يعمل بعيداً عن الأضواء قبل أن يبدأ ظهوره على وسائل التواصل عام 2022.ربما لهذا شدني حين شاهدته.
لم يكن الاختلاف في صوته وحده، بل في الفكرة التي يحملها ظهوره كله. فالعالمية عند بعض الناس تعني أن يتغير الإنسان حتى يشبه العالم الذي يريد الوصول إليه. يغير لغته، ومظهره، وأحياناً جزءاً من هويته، ظناً منه أن الطريق إلى الآخر يبدأ بالتشبه به. أما ماجد ناصر فيقدم صورة مختلفة: يمكنني أن أغني بلغتك، من دون أن أتخلى عن لغتي البصرية وهويتي التي تقول من أنا.وهنا يصبح للغترة والعقال فوق المسرح معنى يتجاوز المظهر. فهما ليسا مجرد زي يرتديه مغنٍ، وإنما رسالة صامتة تسبق الأغنية نفسها. وحين يقف شاب إماراتي بهذا الزي ليؤدي البلوز أو الجاز أو الروك باللغة الإنجليزية، فإنه يجمع عالمين في مشهد واحد من دون أن يلغي أحدهما الآخر.وماجد نفسه عبر عن طموحه في الوصول إلى جمهور عالمي، بل تحدث عن حلم الوصول إلى هوليوود مع الاحتفاظ بهويته الإماراتية.
كما اتسعت تجربته من الأداء الفردي إلى العمل الموسيقي مع «أوركسترا 7» بقيادة المايسترو الإماراتي فاضل الحميدي.ولعل أجمل ما في التجربة أنها تكسر فكرة قديمة: أن التراث والحداثة يقفان على طرفي نقيض. فليس مطلوباً من الشاب العربي، عندما يريد مخاطبة العالم، أن يختار بين أن يكون ابن بيئته أو أن يكون عالمياً. يستطيع أن يكون الاثنين معاً. يستطيع أن يتقن لغة أخرى، ويتعلم موسيقى ولدت على أرض بعيدة، ثم يعيد تقديمها بصوته وشخصيته، وهو أكثر تمسكاً بالمكان الذي جاء منه. وهذا تحديداً ما يجعل تجربة ماجد ناصر تستحق الالتفات، بصرف النظر عن المسافة التي سيصل إليها فنياً في المستقبل. لأن النجاح الحقيقي في مثل هذه التجارب لا يبدأ من الوصول إلى هوليوود، وإنما من امتلاك الجرأة على المحاولة، والعمل سنوات حين لا يصفق لك أحد، ثم الوقوف أمام الناس وأنت تعرف جيداً من تكون.في زمن أصبحت فيه الشاشات قادرة على حمل صوت شاب من الإمارات إلى أقصى مكان في العالم خلال ثوانٍ، لم تعد الحدود هي المشكلة. السؤال أصبح: ماذا سنحمل معنا عندما نعبرها؟وماجد ناصر اختار إجابته.حمل صوته، وغنى بلغة يفهمها العالم، لكنه أبقى الغترة والعقال فوق رأسه، وكأنه يقول قبل أن يبدأ الغناء:سأصل إليكم بلغتكم… ولكنني سأصل إليكم كما أنا.






