كتبت : حنان المطوع

كنت أجلس في إحدى محاضرات معرض الكتاب، أستمع إلى حديث عن «الأرشيف الخاص». في البداية ظننت أن الحديث سيكون عن الأوراق القديمة والوثائق والصور التي يحتفظ بها الناس في صناديقهم ومكتباتهم، لكن عندما بدأ المحاضر يتحدث عن أن الأرشيف لا يقتصر على الوثائق المهمة، وأن الأشياء الصغيرة التي نحتفظ بها قد تكون في حقيقتها سجلاً لحياتنا، توقفت عند هذه الفكرة. لكن شيئاً ما في الكلام أخذني بعيداً عن قاعة المحاضرة. وبدأت أستعيد في ذاكرتي أشياء احتفظت بها عبر السنين. عندها سألت نفسي: هل لدي أنا أيضاً أرشيف خاص؟ وهل لكل واحد منا أرشيف، حتى وإن لم يسمه يوماً بهذا الاسم؟
بدأت تمر أمامي أشياء كثيرة: صورة قديمة، رسالة كتبت بخط اليد، بطاقة دعوة، قصاصة من صحيفة، مقال نشرته منذ زمن، كتاب كتبت على صفحته الأولى تاريخ شرائه، تذكرة من رحلة، وربما ورقة صغيرة لا قيمة لها عند أحد، لكنها عندي تحمل حكاية كاملة. عندها أدركت أنني، من دون أن أعرف، كنت أجمع أجزاء من عمري.
فنحن عادة عندما نسمع كلمة «أرشيف» نفكر في المؤسسات والدول والشخصيات الكبيرة، ونتخيل غرفاً واسعة ورفوفاً وملفات ووثائق مرتبة بعناية. لكن في بيوت كثير منا أرشيف آخر، أكثر دفئاً وقرباً منا؛ أرشيف لا يسجل الأحداث الكبرى، بل يسجل حياتنا نحن.
صورة واحدة قد تعيد إلينا بيتاً لم يعد موجوداً، ورسالة قديمة قد تعيد إلينا صوت شخص غاب، وبطاقة دعوة قد تفتح باب ليلة نسينا تفاصيلها. وما إن تقع أعيننا عليها حتى تعود الوجوه والضحكات والأحاديث، وربما نتذكر حتى الثوب الذي ارتديناه والمكان الذي جلسنا فيه.
والأغرب أن الأشياء التي تصبح غالية علينا بعد عشرين أو ثلاثين عاماً، ربما كانت يومها أشياء عادية جداً. لم نكن نعرف ونحن نضع صورة في درج أننا نحفظ لحظة لن تتكرر، ولم نكن نعرف ونحن نطوي رسالة ونضعها بين صفحات كتاب أننا نحفظ صوت صاحبها لسنوات قادمة. أشياء صغيرة لم ندفع فيها شيئاً تقريباً، قد تصبح بعد مرور الزمن أثمن من أشياء اشتريناها بأموال كثيرة.
وهنا فهمت أن قيمة الأرشيف ليست في الورق نفسه، ولا في الصورة ولا في البطاقة، بل في الزمن الذي التصق بها. فالزمن يمضي ويأخذ معه الكثير، لكنه يترك لنا أحياناً شيئاً صغيراً نستطيع أن نمسكه بأيدينا، فنعود من خلاله، ولو للحظات، إلى زمن مضى. لكن سؤالاً آخر خطر لي وأنا أستمع إلى المحاضرة: ماذا سيبقى منا نحن الذين نعيش في زمن الهاتف والصورة الرقمية والرسالة السريعة؟
قديماً كانت هناك صناديق تحفظ الرسائل والصور والوثائق سنوات طويلة. أما اليوم فنحن نحفظ جزءاً كبيراً من حياتنا داخل أجهزة وهواتف وحسابات إلكترونية؛ آلاف الصور والرسائل تمر أمامنا كل يوم، لكننا نادراً ما نتوقف أمام واحدة منها كما كنا نفعل أمام صورة أخرجناها من ألبوم قديم. وربما بعد سنوات لن تكون المشكلة في ضياع الصورة نفسها، بل في ضياع حكايتها. من هؤلاء الواقفون فيها؟ أين التقطت؟ ولماذا احتفظنا بها؟ ومن كتب تلك الرسالة؟ وما الذي جعل تلك اللحظة مهمة بالنسبة إلينا؟
لهذا جعلتني تلك المحاضرة أنظر إلى أشيائي القديمة بطريقة مختلفة. لم تعد مجرد أوراق وصور احتفظت بها، بل شواهد صغيرة على أنني كنت هنا؛ درست، وقرأت، وكتبت، وسافرت، والتقيت بأناس، وضحكت، وحزنت، ونجحت، وتعثرت، وعشت مراحل كثيرة ربما لا تستطيع الذاكرة وحدها أن تحتفظ بكل تفاصيلها.
وعندما انتهت المحاضرة وخرجت من القاعة، كنت أحمل معي سؤالاً لم أدخل به: لماذا ننتظر حتى تصبح الأشياء قديمة لنعرف قيمتها؟
ربما علينا من الآن أن نحفظ بعض تفاصيل أيامنا، وأن نكتب أسماء الأشخاص خلف الصور، وأن نضع تاريخاً على رسالة أو صورة، وأن نحتفظ بما يستحق أن يبقى. ليس لأن كل ما نعيشه مهم للآخرين، بل لأن بعضه سيكون مهماً لنا، وربما لأبنائنا وأحفادنا، حين يصبح ما نعيشه اليوم جزءاً من زمن مضى. فالذاكرة، مهما كانت قوية، تخوننا أحياناً، أما الأشياء الصغيرة فتظل صامتة في مكانها، تنتظر فقط أن نفتح الصندوق.
وعندها أدركت أن أرشيفي الخاص ليس مجموعة أشياء قديمة احتفظت بها…
بل هو أجزاء من عمري رفضت أن تضيع.






