كتبت : حنان المطوع

كلما مررت أمام بيت يحيط به سور مرتفع، كنت أفكر في الشيء الموجود خلفه.ليس من باب الفضول، ولكن لأن السور دائماً يوحي بأن هناك عالماً آخر يبدأ من بعده.بيت… حديقة… حياة كاملة لا نراها.ومنذ آلاف السنين والإنسان يبني الأسوار.بنى سوراً حول بيته، وسوراً حول قريته، ثم بنى المدن القديمة بأسوار ضخمة وبوابات تفتح في الصباح وتغلق في المساء.كان السور واضحاً.
حجارة فوق حجارة، وباب يفصل بين الداخل والخارج.لكنني فكرت يوماً: هل كل الأسوار يمكن أن نراها؟ربما لا.فالإنسان أيضاً يبني أسواراً، لكنها لا تحتاج إلى حجر ولا إسمنت.
هناك سور نبنيه حول خصوصيتنا، فلا نسمح لكل شخص أن يعرف كل شيء عنا.وسور نبنيه حول كرامتنا، فنغادر مكانًا عندما نشعر أن البقاء فيه ينتقص منا.وسور حول أسرارنا، وآخر حول أحلامنا التي لا نريد أن نعرضها أمام كل عابر.وهناك سور أكثر رقة نبنيه حول من نحب.ليس لنحبسهم داخله، بل لأن بعض العلاقات تحتاج إلى مساحة لا يدخلها الجميع.لكن الأسوار ليست كلها جميلة.بعضها يبدأ صغيراً ثم يرتفع دون أن نشعر.كلمة جرحتنا، فنضع حجراً.
خذلان لم نتوقعه، فنضع حجراً آخر.ثقة منحناها لشخص ولم يحافظ عليها، فنضيف صفاً كاملًا من الحجارة.
ثم تمر السنوات، وننظر حولنا فنكتشف أننا بنينا سوراً عالياً جداً، ولم نعد نعرف هل نحتمي خلفه… أم نختبئ داخله.وهنا يصبح الفرق دقيقاً.فالحدود تحمينا، أما الجدران العالية فقد تعزلنا.
من حق الإنسان أن يكون له باب لا يدخله الجميع، لكن ليس من الضروري أن يغلق كل الأبواب.ومن حقه أن يتعلم من التجربة، لكن ليس من العدل أن يدفع القادمون ثمن أخطاء الذين سبقوهم.ومن حق القلب أن يحذر، لكن إذا بالغ في الحذر قد يمنع الألم من الدخول… ويمنع معه أشياء جميلة كثيرة.والأغرب أننا كثيراً ما نحكم على أسوار الآخرين من الخارج.نقول عن شخص إنه صامت، ولا نعرف لماذا اختار الصمت.
نصف آخر بأنه بعيد، ولا نعرف ما الذي جعله يبتعد.نرى إنساناً لا يمنح ثقته بسهولة، فنظنه متكبراً، بينما قد تكون خلف هذا السور حكاية طويلة لم يخبر بها أحداً.
نحن نرى الجدار…لكننا لا نرى الحجارة التي بني منها.ولهذا ربما علينا ألا نسأل دائماً: لماذا تغير هذا الإنسان؟بل نسأل أحياناً: ماذا حدث له حتى اضطر إلى بناء كل هذه الأسوار؟وفي المقابل، علينا أن ننظر من حين إلى آخر إلى أسوارنا نحن.
أيها ما زال يحمينا؟وأيها انتهى دوره؟وأيها أصبح أعلى مما ينبغي؟فليس كل سور بنيناه في زمن الخوف يجب أن يبقى قائماً في زمن الأمان.
المدن القديمة نفسها فهمت شيئاً مهماً منذ زمن بعيد.كانت تبني الأسوار… لكنها كانت تترك فيها أبواباً.
وهذا ربما أجمل ما يمكن أن نتعلمه منها.ضع حدودك.احفظ خصوصيتك.احمِ كرامتك.ولا تسمح لأحد أن يدخل حياتك بالطريقة التي تؤذيك.لكن اترك باباً.باباً لمن يأتي بمحبة.باباً لفرصة جديدة.باباً للاعتذار الصادق.باباً لصديق لم تعرفه بعد.وباباً للحياة عندما تقرر أن تفاجئك بشيء أجمل مما توقعت.فالأسوار خلقت لتحمي ما بداخلها…لا لكي تمنع من بداخلها من رؤية العالم.






