كتبت : حنان المطوع

قبل أن ترسم حدود المغرب والجزائر وتونس وليبيا بالشكل الذي نعرفه اليوم، وقبل أن تصبح الصحراء فاصلاً بين دول، والجبال علامات على الخرائط، كانت هناك شعوب تعيش فوق هذه الأرض، تنتقل بين جبالها ووديانها وصحاريها، وتترك على الحجر والثوب والحلي واللغة شيئاً من حكايتها.
ومن بين أقدم تلك الشعوب كان الأمازيغ.
ربما سمعنا الاسم كثيراً، وربما رأينا نساءً يرتدين أثواباً زاهية وحلياً فضية كبيرة، أو شاهدنا رجال الطوارق بملابسهم الزرقاء يعبرون الصحراء، لكن قليلًا ما نتوقف لنسأل: من هم الأمازيغ؟ وكيف استطاعت ثقافتهم أن تعبر كل هذه القرون وتصل إلينا حية حتى اليوم؟
حين بدأت أقرأ عنهم، اكتشفت أنني لا أقرأ عن شعب يعيش في منطقة واحدة، بل عن حكاية تمتد على مساحة واسعة من شمال أفريقيا، من سواحل البحر المتوسط إلى أعماق الصحراء، ومن المحيط الأطلسي غرباً إلى مناطق تمتد شرقاً حتى مصر. ولهذا ليس للأمازيغ وجه واحد، ولا لباس واحد، ولا حتى لهجة واحدة، وإنما ثقافات متقاربة تشترك في جذور قديمة وتختلف تفاصيلها من مكان إلى آخر.
وقد عرفهم العالم طويلًا باسم «البربر»، لكن كثيرين منهم يفضلون اليوم الاسم الذي عرفوا به أنفسهم: الأمازيغ، وجمعها إيمازيغن.
أما لغتهم، أو بالأحرى عائلة لغاتهم ولهجاتهم، فتعرف عموماً بالأمازيغية أو «تمازيغت»، وهي من اللغات الأفروآسيوية. وما يثير الإعجاب أن هذه اللغة استطاعت، رغم مرور قرون طويلة وتعاقب حضارات كثيرة على شمال أفريقيا، أن تبقى حاضرة في البيوت والأسواق والقرى والأغاني والحكايات الشعبية.
لكنني وجدت أن أجمل طريقة لفهم الأمازيغ ليست في قراءة أسماء الممالك والحروب والتواريخ، وإنما في النظر إلى التفاصيل الصغيرة التي تركوها وراءهم.
انظروا مثلًا إلى الحلي الأمازيغية.
قطع كبيرة من الفضة، تتداخل فيها الأشكال الهندسية والألوان والأحجار. قد نراها اليوم مجرد زينة جميلة، لكنها في الماضي كانت أكثر من ذلك. كانت جزءاً من هوية المرأة ومنطقتها وذاكرة عائلتها، وكأن قطعة الحلي الصغيرة تحمل معها عنوان المكان الذي جاءت منه.
ثم انظروا إلى السجاد.
خطوط ومثلثات وأشكال قد تبدو للعين مجرد زخرفة، لكنها خرجت من أيدي نساء توارثن فنون النسيج جيلًا بعد جيل. كانت المرأة تنسج ما حولها وما تعرفه وما تحفظه ذاكرتها، فتتحول الخيوط بين أصابعها إلى لغة أخرى لا تحتاج إلى حروف.
والأمر نفسه نجده في الملابس.
فمن منطقة إلى أخرى تتغير الألوان والزخارف وطرق ارتداء الثياب، حتى يصبح اللباس أشبه بخريطة ثقافية يمكن لمن يعرفها أن يقرأ منها شيئاً عن المكان الذي جاء منه صاحبها.
ولعل أكثر الصور التي ارتبطت في أذهاننا بالأمازيغ هي صورة الطوارق.
رجال يعبرون الصحراء في هدوء، بثياب يغلب عليها اللون الأزرق، ووجوه يغطي بعضها اللثام، وقوافل تعرف طريقها في أرض قد تبدو لنا متشابهة من كل اتجاه.
ننظر إلى الصحراء فنراها فراغاً هائلًا.
أما من عاش فيها قروناً فيراها طرقاً ومسارات وماءً ونجوماً واتجاهات وحياة.
وهنا أدركت أن الإنسان لا يتكيف فقط مع المكان الذي يعيش فيه، بل يصنع معه علاقة طويلة حتى يصبح المكان جزءاً من شخصيته.
فالجبال صنعت جماعاتها، والصحراء صنعت جماعاتها، والواحات صنعت حياة مختلفة، ومع ذلك بقي شيء مشترك يشد هذه الثقافات إلى جذورها الأمازيغية.
وربما لهذا السبب لم تختفِ الحكاية.
مرت على شمال أفريقيا شعوب وحضارات كثيرة، والتقت الثقافات واختلطت اللغات والعادات، ونشأت مجتمعات جديدة، لكن الأمازيغ لم يصبحوا مجرد فصل في كتاب قديم.
ظلوا موجودين.
في اللغة.
وفي الطعام.
وفي الأغنية.
وفي الحلي.
وفي السجاد.
وفي أسماء الأماكن.
وفي الحكايات التي كانت الجدات ترويها للصغار.
بل إن دور النساء كان أساسياً في نقل اللغة والمعارف والعادات من جيل إلى آخر، وهي حقيقة لفتت إليها دراسات وبرامج ثقافية اهتمت بحماية التراث الأمازيغي.
واليوم لم تعد الثقافة الأمازيغية شيئاً يبحث عنه الباحثون في الكتب فقط، بل أصبحت جزءاً معلناً من الهوية الثقافية الحديثة في عدد من دول شمال أفريقيا، وتدرس اللغة وتقام المهرجانات وتحفظ الحرف والفنون التي توارثتها المجتمعات عبر أجيال طويلة. وفي المغرب مثلًا حظيت الأمازيغية باعتراف رسمي، وأصبح الحفاظ عليها وتعليمها جزءاً من جهود حماية التراث الثقافي.
ولكن أجمل ما خرجت به من حكايتي مع الأمازيغ لم يكن اسماً ولا تاريخاً.
كان سؤالًا.
كم شعباً مررنا بجانبه ونحن لا نعرف أن قطعة صغيرة من ثوبه تحمل تاريخ قرون؟
وكم نقشاً رأيناه على سجادة ولم ندرك أنه ربما كان حرفاً من ذاكرة امرأة عاشت قبلنا بزمن طويل؟
وكم مرة نظرنا إلى الصحراء واعتقدنا أنها فارغة، بينما كانت بالنسبة لمن عاش فيها وطناً مليئاً بالطرق والحكايات؟
ربما لهذا أحب قراءة تاريخ الشعوب.
لأنه يجعلنا نفهم أن العالم لم يبدأ عندما بدأنا نحن ننظر إليه.
هناك دائماً من سبقنا.
أناس عاشوا وأحبوا وسافروا وغنوا ونسجوا وحفظوا أسماء الجبال والنجوم والطرق، ثم تركوا لنا شيئاً صغيراً يقول:
كنا هنا





