كتبت : حنان المطوع

هناك نجوم يصلون الى القمة، ثم يصبح السؤال الاصعب هو: ماذا بعد القمة؟
فحين يعتاد الناس ان يروا اسمك في المكان نفسه، بقميص اعتادوا عليه، وبين جماهير حفظت خطواتك واهدافك واحتفالاتك، يصبح الرحيل اكثر من مجرد انتقال من ناد الى ناد.
يصبح اختبارا جديدا.
وهكذا تبدو حكاية محمد صلاح اليوم.
الرجل الذي خرج من قرية نجريج في مصر، وبدأ خطواته الاولى مع المقاولون العرب، لم يكن يعرف عندما كان يركض خلف الكرة في بداياته ان الطريق سيأخذه يوما الى ملاعب اوروبا، ثم الى واحدة من اكبر محطات كرة القدم في العالم. بدأ رحلته الاوروبية مع بازل السويسري، ثم مر بتجربة تشيلسي التي لم تمنحه المساحة التي كان يبحث عنها، وانتقل بعدها الى فيورنتينا ثم روما، قبل ان يصل في عام 2017 الى ليفربول، وهناك بدأت مرحلة غيرت صورته في عيون العالم.
لكن بعض الرحلات لا تقاس بعدد الاندية التي لعب لها اللاعب، وانما بما يحدث له داخل كل محطة.
ومحمد صلاح لم يكن في كل محطة هو الشخص نفسه.
كان يتغير. يتعلم. يسقط قليلا ثم يعود اقوى.
وفي ليفربول، لم يصبح مجرد لاعب يسجل الاهداف، بل تحول مع السنوات الى واحد من الاسماء التي ارتبطت بذاكرة النادي الحديثة. جاء الى انجلترا وهو يحمل شيئا يريد ان يثبته، ثم غادرها بعد تسع سنوات وهو يحمل ارثا كبيرا من الارقام والبطولات واللحظات التي صنعت مكانته بين كبار لاعبي النادي. وقد سجل في موسمه الاول 44 هدفا في مختلف المسابقات، في بداية استثنائية جعلت الجميع يدرك ان اللاعب الذي عاد الى الدوري الانجليزي ليس هو اللاعب الذي عرفوه في تجربته الاولى مع تشيلسي.
لكن الحياة لا تحب ان تترك الحكايات مكتملة.
وفي صيف 2026، انتهت علاقة امتدت تسع سنوات بين محمد صلاح وليفربول، ليجد النجم المصري نفسه امام صفحة جديدة لم تكن تشبه الصفحات السابقة.
وكان يمكن لهذه الصفحة ان تكون مجرد انتقال عادي.
لكن اسم محمد صلاح لم يعد عاديا.
وحين وصل الى طرابزون، لم تستقبله الجماهير باعتباره لاعبا جاء ليكمل سنواته الاخيرة في الملاعب، بل استقبلته وكأنها تستقبل قصة كبيرة تعرف انها ستكتب فصلا جديدا على ارضها. في السادس من اغسطس 2026 وقع صلاح عقدا لمدة عامين مع طرابزون سبور، في انتقال حر بعد رحيله عن ليفربول.
وهنا تصبح الحكاية اكثر اثارة.
لان الانتقال الى طرابزون لا يعني ان محمد صلاح بدأ من جديد.
بل يعني انه يبدأ من مكان مختلف وهو يحمل كل ما صنعه في السنوات الماضية.
يحمل خبرة الملاعب الانجليزية.
يحمل ذاكرة دوري الابطال.
يحمل لحظات التتويج.
يحمل اخفاقات ايضا.
ويحمل قبل كل شيء معرفة عميقة بما تعنيه كرة القدم حين تصبح جزءا من حياة ملايين الناس.
وربما لهذا لم يكن استقبال الجماهير التركية مجرد احتفال بلاعب جديد.
كان احتفالا بفكرة.
فكرة ان نجما كبيرا اختار ان يفتح نافذة جديدة في مسيرته، في بلد جديد، ودوري جديد، وجمهور يريد ان يراه يصنع شيئا لم يصنعه احد قبله.
وفي اول ظهور رسمي له مع طرابزون، دخل صلاح في الشوط الثاني امام قاسم باشا، وانتهت المباراة بالتعادل 1-1. لم تكن البداية انتصارا كبيرا، ولم تكن مباراة تصنع الاساطير، لكنها كانت تحمل معنى اخر. كانت اللحظة التي ارتدى فيها صلاح قميصا جديدا للمرة الاولى، وكأن السنوات الماضية كلها بقيت خلفه للحظة، بينما وقف امام طريق لا يعرف احد كيف ستكون نها
وهذا هو الجزء الذي يجعلني ارى في قصة محمد صلاح شيئا يتجاوز كرة القدم.
فالنجاح الحقيقي ليس ان تصل الى مكان مرتفع مرة واحدة.
النجاح الحقيقي ان تعرف كيف تبدأ مرة اخرى عندما يتغير المكان.
ان تخرج من ملعب اعتدت عليه، ومن مدينة عرفت تفاصيل حياتك، ومن جمهور رآك تكبر امامه، ثم تدخل الى مكان جديد وتقول لنفسك: ما زال لدي شيء اريد ان اقدمه.
وهذا ربما هو التحدي الحقيقي امام محمد صلاح.
ليس ان يثبت انه لاعب كبير، فقد اثبت ذلك منذ سنوات.
وليس ان يقنع الناس بقدرته على تسجيل الاهداف، فقد تكلمت ارقامه طويلا.
التحدي الان ان يثبت ان اللاعب الكبير يستطيع ايضا ان يكتب فصلا جديدا من دون ان يعيش اسيرا للفصل القديم.
فالجمهور قد يقارن.
والصحافة ستقارن.
والناس ستتذكر ليفربول في كل مرة تراه بقميص طرابزون.
لكن اللاعب وحده يعرف ان الزمن لا يعود الى الوراء.
محمد صلاح اليوم ليس ذلك الشاب الذي خرج من مصر بحثا عن فرصة.
وليس اللاعب الذي ذهب الى بازل محملا بالحلم فقط.
وليس حتى ذلك النجم الذي وصل الى ليفربول وكان يريد ان يثبت للجميع ان تجربة تشيلسي لم تكن نهايته.
هو اليوم رجل يعرف قيمة الطريق.
ويعرف ان بعض الاحلام لا تتحقق بالطريقة التي تخيلناها، لكنها تتحقق احيانا بصورة اكبر مما توقعنا.
وربما لهذا فان انتقاله الى طرابزون لا ينبغي ان ينظر اليه فقط من زاوية عدد الاهداف التي سيسجلها او البطولات التي سيحققها.
هناك شيء ابعد من ذلك.
هناك انسان بلغ مكانا كان يبدو في يوم من الايام بعيدا جدا، ثم قرر رغم كل ما حققه ان يضع نفسه امام تحد جديد.
وهذا في حد ذاته نوع من الشجاعة.
لان البقاء في القمة قد يكون مريحا، اما ان تبدأ صفحة جديدة وانت تعرف ان الجميع سيراقبك ويقارن بينك وبين نسختك السابقة، فذلك يحتاج الى قلب لا يخاف من التجربة.
محمد صلاح لم يغادر ليفربول هاربا من الماضي.
غادر وهو يحمل الماضي معه.
يحمل السنوات التي جعلته واحدا من ابرز نجوم كرة القدم المصرية والعربية، ويحمل صورة اللاعب الذي استطاع ان يحول الحلم البعيد الى واقع يراه العالم كله.
والان جاء الدور على طرابزون.
مدينة جديدة.
جمهور جديد.
قميص جديد.
وحكاية لم نعرف نهايتها بعد.
وربما اجمل ما في الحكايات التي لم تنته انها تمنحنا دائما سببا لننتظر.
فقد تكون هناك اهداف جديدة.
وقد تكون هناك بطولة جديدة.
وقد تكون هناك لحظة اخرى يقف فيها محمد صلاح امام جماهيره، يرفع يديه، ويبتسم تلك الابتسامة التي عرفها الناس منذ سنوات.
لكن حتى لو لم تأت كل الامنيات كما نريد، سيبقى في هذه الرحلة معنى اكبر.
ان الانسان لا يقاس فقط بعدد المرات التي وصل فيها الى القمة، بل بعدد المرات التي امتلك فيها الشجاعة ليبدأ من جديد.
ومحمد صلاح بدأ من جديد.
ليس لانه لم يصل.
بل لانه وصل، ثم اكتشف ان الطريق ما زال لديه ما يقوله.
ولهذا ربما يكون فصل طرابزون اهم من مجرد انتقال لاعب الى ناد جديد.
انه فصل في حكاية رجل لم يسمح للنجاح ان يقنعه بأن الحكاية انتهت.
فما دام في القلب شغف، وفي القدم كرة، وفي العين حلم لم يكتمل بعد…
فالحكاية لم تنته






