كتبت : حنان المطوع

بعد أن عرفنا في الحلقة السابقة أن الفهم هو المفتاح الذي يحول المعلومات إلى معرفة راسخة، نكمل اليوم رحلتنا مع ابن سينا لنكتشف جانبًا آخر من أسرار الذاكرة… جانب لا يتعلق بما ندخله إلى العقل فقط، بل بالحالة التي يكون عليها العقل أثناء استقبال المعرفة وحفظها.
فالعقل المرهق لا يستطيع أن يمنح الأشياء حقها من التركيز، والذهن الممتلئ بالقلق والتشتت يجد صعوبة في ترتيب الأفكار واسترجاعها.
ولهذا أدرك ابن سينا أن قوة الذاكرة لا تنفصل عن حالة الإنسان النفسية والجسدية.
لقد نظر ابن سينا إلى الإنسان كوحدة متكاملة، فالعقل والجسد والنفس يؤثر كل منها في الآخر.
فكما يحتاج الجسد إلى الراحة ليستعيد نشاطه، تحتاج النفس والعقل إلى الهدوء حتى تستقر فيهما المعرفة.
وكان يرى أن الإفراط في الانشغال والتعب قد يضعف قوى الإدراك، بينما يساعد الاعتدال وتنظيم الحياة على صفاء الذهن وقوة الحفظ.واليوم تؤكد الدراسات الحديثة أن النوم ليس مجرد توقف عن النشاط، بل مرحلة مهمة يقوم فيها الدماغ بترتيب المعلومات وتثبيت الذكريات التي اكتسبها الإنسان خلال يومه.فكم من فكرة فهمناها خلال النهار، ثم وجدناها أوضح وأكثر ثباتًا بعد ليلة من النوم الهادئ؟ وكأن العقل في صمته يواصل العمل بطريقة لا نراها.
لقد سبق ابن سينا عصره حين أدرك أن الذاكرة لا تعمل بمعزل عن راحة الإنسان، وأن العقل الذي يمنح نفسه لحظات من السكون يصبح أكثر قدرة على التعلم والإبداع.
لكن هل كان ابن سينا يرى أن الغذاء أيضًا له دور في قوة العقل والذاكرة؟ وهل تحدث عن علاقة ما نأكله بقدراتنا الذهنية؟هذا ما سنكتشفه في الحلقة القادمة







