كتبت : حنان المطوع

ليس أجمل ما في الإنسان ملامحه، ولا كلماته المنمقة، ولا قدرته على إقناع الآخرين بنفسه، بل ذلك السلام الخفي الذي يحمله في قلبه. فهناك أشخاص تدخل عليهم لأول مرة، فتشعر وكأنك تعرفهم منذ سنوات، لا لأنهم تحدثوا كثيراً، بل لأن أرواحهم لا تعرف الأذى.الطيبة ليست ضعفاً كما يظن البعض، وليست سذاجة تجعل صاحبها فريسة للآخرين، بل هي قوة هادئة لا يملكها إلا من انتصر على قسوة الحياة دون أن يسمح لها أن تسكن داخله. فكم من إنسان مر بخيبات تكفي لتغيير قلبه، لكنه اختار أن يبقى كما هو، يمنح العذر قبل اللوم، ويقدم الرحمة قبل القسوة، ويحفظ للناس كرامتهم حتى عندما يخذلونه.بعض الأرواح تشبه الظل الوارف في يوم شديد الحر، لا تطلب شيئاً لنفسها، لكنها تمنح الراحة لكل من يقترب منها. لذلك نجد أن القلوب ترتاح لها من غير تفسير، والأطفال يأنسون بها، وحتى المخلوقات الضعيفة تشعر بالأمان بالقرب منها. فالخير الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان، بل يعرف من أثره، كما تعرف رائحة الزهور قبل أن ترى.لكن أصحاب القلوب الطيبة يحملون سراً لا يراه الكثيرون. فهم ليسوا دائماً سعداء كما يظن الناس، لأنهم يشعرون أكثر، ويغفرون أكثر، ويتحملون أكثر. يبتسمون بينما يخفون أوجاعاً لا يتحدثون عنها، ويواصلون العطاء رغم أنهم كانوا أحياناً أحوج الناس إلى كلمة طيبة أو يد حانية. يعرفون أن الحياة ليست عادلة دائماً، ومع ذلك يختارون ألا يكونوا نسخة من القسوة التي واجهتهم.ومع مرور السنوات يتعلم القلب الطيب درساً مهماً؛ أن يبقى كريماً دون أن يهدر نفسه، وأن يسامح دون أن يسمح للأذى أن يتكرر، وأن يحب الناس دون أن ينسى حقه في الراحة والاحترام. فالمسامحة خلُق عظيم، لكنها لا تعني أن نتنازل عن كرامتنا، والرحمة لا تعني أن نفتح أبوابنا لكل من اعتاد جرحنا.وأجمل ما في الطيبة أنها لا تضيع. قد لا يراها الجميع، وقد لا يقدرها الجميع، لكنها تبقى أثراً جميلًا في القلوب، ودعاءً صادقاً في الغيب، وراحةً داخلية لا تشترى بثمن. فمن عاش بقلب نقي، ربح شيئاً أعظم من إعجاب الناس كله؛ ربح سلامه مع نفسه.ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في نهاية الأمر، أن الإنسان لا يقاس بعدد من أحبوه، بل بعدد القلوب التي شعرت بالأمان حين مرت بالقرب منه. وهذا هو الجمال الحقيقي الذي لا يشيخ، ولا تسرقه الأيام.





