كتبت : حنان المطوع

هناك مرحلة لا يمر بها الإنسان فجأة، بل يصل إليها شيئاً فشيئاً… حين يكتشف أن الكلام كثيراً لا يعني أنه مفهوم، وأن التبرير لا يغير القلوب، وأن الشرح الطويل لا يصنع دائماً تقارباً بين الناس.في البداية نعتقد أن التوضيح يحل كل شيء، فنشرح ونكرر ونحاول أن نقنع، ونمنح من الكلمات ما يكفي لإغلاق أي مساحة سوء فهم. لكن مع الوقت، ندرك أن بعض الأبواب لا تفتح بالكلام، وأن بعض العقول لا تريد أن تفهم بقدر ما تريد أن تحكم.
هنا يبدأ التغير الحقيقي… ليس في القلب، بل في اللسان.نصبح أقل رغبة في الحديث، ليس لأننا فقدنا ما نقوله، بل لأننا أدركنا أن ليس كل ما نشعر به يحتاج أن يقال، وليس كل موقف يستحق أن يستهلك فيه صوتنا.
نختار الصمت في كثير من المواقف، ليس هروباً، بل وعي. لأننا جربنا أن نربح النقاش ونخسر الراحة، وأن نثبت وجهة نظر ونفقد هدوءنا الداخلي.ومع الوقت، نصبح أكثر انتقاءً للكلمات. لا نتكلم كثيراً، لكن حين نتكلم نقصد ما نقول. ولا نرد على كل شيء، ليس ضعفاً، بل لأننا فهمنا أن الردود أحياناً لا تبني شيئاً سوى التعب.هناك جمال خفي في هذا التحول… أن يصبح الإنسان أكثر هدوءاً من الداخل، لا لأنه لا يشعر، بل لأنه يفهم أكثر. يرى الصورة كاملة، فيتجاوز التفاصيل الصغيرة التي كانت تستهلكه سابقاً.وحين ينظر الناس إلينا، قد يظنون أننا تغيرنا أو أصبحنا أقل حضوراً. لكن الحقيقة أننا أصبحنا أكثر انتباهاً لأنفسنا، وأكثر احتراماً لسلامنا الداخلي.لم نعد نتحدث كثيراً لنثبت أنفسنا، بل نعيش بعمق أكبر، ونترك للأفعال أن تتكلم بدلاً من الكلمات.وهكذا، لا يكون الصمت فراغاً… بل امتلاء مختلفاً من الفهم والوعي والنضج.فنحن لا نصبح أقل كلاماً لأننا فقدنا الرغبة، بل لأننا أصبحنا أكثر وعياً بما يستحق أن يقال.






