باب زويلة.

كتبت : حنان المطوع.

منذ أن بدأنا رحلتنا في شارع المعز، ونحن لا نسير في طريق عادي، بل نفتح في كل مرة باباً جديداً على حكاية من حكايات القاهرة؛ مدينة لا ترى فقط، بل تحكى، وتعايش بين تفاصيلها. مررنا بمعالم حملت روح العصور، واستمعنا لصوت التاريخ وهو يهمس من بين الجدران، حتى أصبح هذا الشارع بالنسبة لنا كتاباً مفتوحاً، نقرأ فيه فصولاً لا تنتهي.

واليوم، ونحن نصل إلى نهاية هذا الطريق العتيق، نقف أمام بابٍ لم يكن مجرد مدخلٍ للمدينة، بل كان حارسها وسجلها الصامت…

باب زويلة.

يقع هذا الباب في نهاية شارع المعز يقف شامخاً منذ أكثر من ألف عام، شاهداً على زمنٍ كانت فيه القاهرة تحرس نفسها بأسوارٍ وأبواب لا تفتح إلا بحذر. كان هذا الباب جزءاً من سور المدينة الفاطمية، يضبط حركة الداخلين والخارجين، ويراقب كل خطوة تقترب من قلب العاصمة، وكأن المدينة كانت تضع عينها هنا، تترقب وتتحسب.

وحين تقف أمامه اليوم، لا ترى مجرد بناءٍ حجري، بل تشعر وكأنك أمام ذاكرة كاملة متجسدة في حجر. على جدرانه مرت عصور المماليك، وتبدلت فوقه الرايات، وشهد أحداثاً سياسية واجتماعية تركت آثارها في كل زاوية منه. لم يكن فقط بوابة، بل كان ساحةً تتخذ فيها القرارات، ومكاناً تجتمع عنده الجموع، ونقطة تقاس منها هيبة المدينة وقوتها.

وفي أزمنةٍ مضطربة، كان باب زويلة شاهداً على صراعاتٍ داخلية وخارجية، حيث استخدم لمراقبة الغزاة والمتمردين، وتحولت مآذنه إلى نقاطٍ استراتيجية تطل منها العيون الحذرة على ما يحيط بالقاهرة. ومع مرور الزمن، لم تختف هذه الحكايات، بل بقيت محفورة في الحجر؛ فقد كشفت أعمال الترميم عن نقوش ورسومات تروي تفاصيل تلك الأيام، وكأن الجدران رفضت أن تصمت، وأصرت أن تبوح بما شهدته.

واليوم، حين يسير الزائر بين أروقته، يشعر وكأن الزمن قد تباطأ، وربما توقف للحظة. يلامس الحجر فيستحضر صدى خطواتٍ مرت من هنا، ويكاد يسمع أصواتاً بعيدة تحمل رهبة المكان وعمقه. هناك، يدرك أن القاهرة لم تبن بالحجارة فقط، بل بالذكريات التي سكنت هذه الحجارة، وبالقصص التي عبرت من هذه البوابة وتركَت أثرها فيها.

وبينما نغادر باب زويلة، لا نشعر أننا وصلنا إلى نهاية، بل إلى بداية فضول جديد، لأن شارع المعز لا يمنحك خاتمة، بل يفتح لك دائماً باباً آخر للحكاية. وفي الجمعة القادمة، سنلتقي بمعلم جديد، لنكمل معاً هذه الرحلة، ونكتشف كيف تظل القاهرة قادرة على أن تدهشنا، مهما ظننا أننا عرفناها.

  • Related Posts

    قهوة بلا سكر… وذكريات ما زالت حلوة

    كتبت : حنان المطوع هناك أشياء في الحياة لا تحتاج إلى كثير من الزينة لتكون جميلة. فنجان قهوة سادة، جلسة هادئة، وصمت يملؤه صوت الذكريات… أحياناً تكون هذه اللحظات أغنى…

    Read more

    Continue reading
    ثم رحل البعض… وبقيت الذكريات

    كتبت : حنان المطوع لا يرحل الناس جميعاً بالطريقة نفسها.فمنهم من يغيب بجسده، لكنه يظل حاضراً في كل زاوية من الذاكرة. ومنهم من يبقى قريباً، لكنه يرحل من القلب قبل…

    Read more

    Continue reading

    You Missed

    تهنئة خاصة من زهرة الخليج نيو للطالب عبدالباسط ايمن بمناسبة نجاحه في الشهادة الاعدادية

    تهنئة خاصة من زهرة الخليج نيو للطالب عبدالباسط ايمن بمناسبة نجاحه في الشهادة الاعدادية

    المتحف …. نافذة المعرفه

    المتحف …. نافذة المعرفه

    وتتوالى التهاني من أسرة “ زهرة الخليج نيو ” لكل الناجحين : وتهنئة للطالبة جنى عواد بمناسبة نجاحها في شهادة الثانوية العامة

    وتتوالى التهاني من أسرة “ زهرة الخليج نيو ” لكل الناجحين : وتهنئة للطالبة جنى عواد بمناسبة نجاحها في شهادة الثانوية العامة

    قهوة بلا سكر… وذكريات ما زالت حلوة

    قهوة بلا سكر… وذكريات ما زالت حلوة

    ثم رحل البعض… وبقيت الذكريات

    ثم رحل البعض… وبقيت الذكريات

    وتتوالى التهاني من أسرة “زهرة الخليج نيو ” لكل الناجحين : وتهنئة للطالب أنس شكرى بمناسبة نجاحه في الشهادة الثانوية الأزهرية

    وتتوالى التهاني من أسرة “زهرة الخليج نيو ” لكل الناجحين : وتهنئة للطالب أنس شكرى بمناسبة نجاحه في الشهادة الثانوية الأزهرية