كتبت : حنان المطوع .
في قلب القاهرة القديمة، حيث تتشابك الأزقة كخيوطٍ نسجها الزمن، يمتد شارع المعز كأنه ذاكرة مفتوحة لا تغلق، نقرأ فيها وجوه من مروا، ونصغي إلى صدى خطواتٍ لم تختف بعد. ومع كل يوم جمعة، نعود لنسير معاً في هذا الطريق، لا لنراه فقط، بل لننصت إليه؛ فهنا، الحكايات لا تروى، بل تعاش.
وفي هذه الجمعة، تقودنا الرحلة إلى سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا، حيث لا يقف البناء كحجرٍ صامت، بل كقصةٍ لم تكتمل، نقترب منها فنشعر أنها تعرفنا قبل أن نعرفها، وكأنها كانت تنتظر أن يعاد سردها من جديد.
حين تقترب من المكان، لا تراه مجرد مبنى، بل تشعر كأنك أمام فكرةٍ مجسدة؛ فكرة أن الماء الذي يروي العطش يمكن أن يسير جنباً إلى جنب مع العلم الذي يروي العقول. هنا، في هذا الموضع تحديداً، كان المار المتعب يجد جرعة ماء باردة تخفف عنه قسوة الطريق، بينما في الأعلى كان طفل صغير يجلس متأملاً حروفه الأولى، يحاول أن يخطها بيده المرتجفة، غير مدرك أن ما يتعلمه في تلك اللحظة قد يغير مسار حياته كلها.
الواجهة المزخرفة لا تفرض نفسها بضجيج، بل تهمس بالجمال، والزخارف تنساب على الحجر وكأنها حكايات لم تكتمل، أما الشبابيك النحاسية فتبدو كعيونٍ قديمة ما زالت تراقب حركة الناس، تتذكر وجوههم، أصواتهم، وربما دعواتهم التي كانوا يرددونها وهم يشربون الماء. هناك إحساس خفي بأن المكان لم يفقد ذاكرته، وأن كل حجر فيه يحتفظ بشيءٍ من الذين مروا من هنا.

وفي الداخل، حيث كانت المياه تحفظ بعناية وتقدم بسخاء، يمكن للخيال أن يستعيد حركة السقاء وهو يناول الأكواب، ونظرات الامتنان التي تلمع في عيون العابرين. لم يكن الأمر مجرد ماء، بل كان معنى إنسانياً بسيطاً وعميقاً في آنٍ واحد، كأن المدينة تقول لأبنائها: نحن نراكم، ونهتم بكم.
أما في الأعلى، حيث الكتاب، فالمشهد مختلف لكنه متصل، أصوات الأطفال تتداخل مع ترديد الآيات، والمعلم يجلس بهدوء يراقب، يصحح، ويزرع في تلك العقول الصغيرة بذور المعرفة. لا ضجيج مبالغ فيه، ولا تعقيد، فقط بساطة صادقة، لكنها قادرة على صناعة جيل كامل.
ورغم أن التاريخ لا يخبرنا بكل التفاصيل التي دارت بين هذه الجدران، إلا أن الصمت نفسه يبدو ممتلئاً بالحكايات، وكأن المكان يترك لك حرية أن تتخيل، أن تكمل ما لم يكتب، وأن تشعر بأن الحياة التي مرت من هنا لم تختفِ تماماً، بل ما زالت عالقة في الهواء.
وعندما تبتعد ببطء عن سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا، تدرك أنك لم تزر أثراً فقط، بل اقتربت من فكرةٍ أعمق؛ أن العطاء حين يكون صادقاً لا يحتاج إلى ضجيج، وأن أبسط الأعمال، ككوب ماء أو درس صغير، قد تتحول مع الزمن إلى أثرٍ خالد لا يمحوه شيء.
وكأن هذا المكان، بصمته وهيبته، يهمس لكل من يمر: عش كما شئت، لكن اترك وراءك ما يستحق أن يروى.
وهكذا يظل شارع المعز ليس مجرد ممرٍ عابر في قلب الزمن، بل حكاية ممتدة لا تعرف النهاية، تنبض بكل من مر بها وترك أثره فيها. ومع كل جمعة، نعود لنفتح باباً جديداً من هذه الذاكرة، لنقف عند معلمٍ آخر وننصت لحكايته، في رحلة لا تنتهي داخل القاهرة التي ما زالت تخبئ لنا الكثير






