كتبت : حنان المطوع

هناك بعض النجاحات لا نتابعها لأننا نحب الرياضة فقط، بل لأن وراءها إنساناً اعتدنا أن نفرح له، ومحمد صلاح بالنسبة لي واحد من هؤلاء. تابعته سنوات طويلة وهو يصنع اسمه خطوة بعد خطوة، يسقط أحياناً ثم يعود، يواجه الانتقادات ثم يترك للملعب مهمة الرد، ولذلك عندما بدأت حكايته الجديدة في تركيا، لم أكن أتابع لاعباً انتقل من نادٍ إلى آخر بقدر ما كنت أتابع فصلًا جديداً في قصة رجل لم يشبع من النجاح.
كان الانتقال إلى تركيا بداية مختلفة. بعد سنوات طويلة عاش فيها صلاح تحت أضواء الكرة الإنجليزية، كان طبيعياً أن تظهر الأسئلة: ماذا بقي لديه ليقدمه؟ وهل يستطيع أن يبدأ من جديد بعيداً عن المكان الذي صنع فيه جزءاً كبيراً من مجده؟ لكن كرة القدم، مثل الحياة، لا تحب الإجابات المسبقة، وصلاح يعرف جيداً أن أفضل إجابة لا تقال أمام الكاميرات، بل تكتب بالقدم فوق العشب.
وبدأت الإجابة تظهر سريعاً مع طرابزون سبور. أهداف وانتصارات وحضور جعل الجماهير تلتفت إلى نجمها الجديد، حتى جاءت المباراة أمام غلطة سراي، أحد أكبر أندية تركيا، وانتهت بانتصار طرابزون سبور بأربعة أهداف نظيفة، في ليلة كان فيها محمد صلاح حاضراً بقوة وصنع لنفسه ولفريقه ذكرى لن تنسى.
لكن محمد صلاح، في رأيي، لا يضيف إلى الفريق الذي ينضم إليه بالأهداف وحدها. هناك شيء آخر يحمله معه أينما ذهب، وهو صورته الإنسانية وأخلاقه وطريقته الهادئة في التعامل مع الناس. فاللاعب قد يجعل الجماهير تعرف اسمه بفضل هدف جميل، لكن الإنسان بأخلاقه قد يجعلها تحب البلد الذي جاء منه وتصبح أكثر فضولًا لمعرفة ثقافته وأهله. وهنا يصبح صلاح، من وجهة نظري، أكثر من لاعب كرة قدم؛ يصبح خير سفير لبلده، شاباً مصرياً طموحاً، دمث الخلق، راقياً في تصرفاته وجميل العِشرة، يقدم صورة عن وطنه من دون خطب أو شعارات.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله إنسان خارج وطنه أن يجعل الآخرين يسألون عنه: من أي بلد جاء؟ وكيف هي بلاده؟ ومن هم أهلها؟ فالرياضة أحياناً تفتح أبواباً لا تستطيع السياسة ولا الكلمات الرسمية أن تفتحها، والإنسان المحبوب يستطيع بسلوكه أن يقرب بين الشعوب أكثر مما تفعل مئات الخطب.
وهذا تحديداً ما يعجبني في محمد صلاح. الأرقام مهمة في كرة القدم، لكنها لا تحكي الإنسان كله. ما يعجبني فيه قدرته على أن يبدأ من جديد وكأنه لم يحقق شيئاً من قبل. بعض الناس عندما يصلون إلى القمة يقضون بقية العمر يتحدثون عما فعلوه بالأمس، بينما هناك من يبحثون عن قمة أخرى، حتى وإن كانت في طريق مختلف وبلد جديد وبين جماهير جديدة.
ربما لهذا أحب متابعة محمد صلاح؛ لأنني أرى في رحلته شيئاً أكبر من كرة القدم: لا تجعل عمرك، ولا نجاحاتك السابقة، ولا كلام الآخرين يقنعك بأن أجمل ما في حياتك أصبح وراءك. تستطيع دائماً أن تفتح باباً جديداً، وأن تدخل مكاناً لا يعرف تفاصيل رحلتك، ثم تبدأ من جديد.
واليوم، وهو يكتب فصله التركي، لا يحتاج محمد صلاح إلى أن يثبت لنا من يكون؛ تاريخه فعل ذلك منذ زمن. لكنه يثبت شيئاً آخر أجمل بكثير: أن الإنسان الذي يحمل بداخله رغبة حقيقية في الاستمرار لا يسأل الزمن كم بقي له، بل يسأل نفسه: ماذا بقي لدي لأقدمه؟
ويبدو أن محمد صلاح ما زال لديه الكثير. فبعض النجوم تلمع في سماء واحدة… وبعضها أينما ذهب، أخذ ضوءه معه، وترك خلفه شيئاً أجمل من الأهداف: محبة الناس






