لقاء مع فنان من طراز نادر… أحمد ماهر.

كتبت : حنان المطوع.
ليوم كان لي شرف اللقاء مع الممثل الكبير، المتجدد دائما ً، الصادق في أدائه، والمحب الحقيقي لفن التمثيل، الفنان القدير أحمد ماهر، أحد القامات الفنية التي تركت أثراً عميقاً في الدراما المصرية والعربية. منذ اللحظة الأولى للجلوس معه، تشعر أنك أمام فنان لا يتعامل مع التمثيل كمهنة، بل كرسالة ومسؤولية وحياة كاملة عاشها بإخلاص واحترام للفن وللجمهور.حين نذكر الدراما الوطنية، لا بد أن يحضر في الذاكرة مسلسل «رأفت الهجان»، ذلك العمل الخالد في وجدان المشاهد العربي، حيث جسد الفنان القدير أحمد ماهر ببراعة شخصية مصطفى بيه الظابط المصرى بالمخابرات العامة المصريه . جاء أداؤه عميقاً ومدروساً، جسد الشخصيه بمهاره تامه، عكس من خلاله طريقة التفكير العام للقيادات المصرية وتعاملها مع الصراع الاسرائيلى ، وكان حضوره إضافه قوية دعمت الخط الدرامي للحلقات وهو ما يميز مدرسة أحمد ماهر في الأداء الهادئ الواثق.
خلال اللقاء، الذي أدار دفته الدكتور محمد هاشم، تنقل الحديث بين محطات كثيرة من مشواره الفني الطويل، من الأعمال التاريخية والدينية إلى الدراما السياسية والاجتماعية، وهي أعمال رسخت مكانته كممثل يجيد الأدوار المركبة التي تحتاج إلى ثقافة ووعي قبل الأداء. وعندما سئل عن أصعب الأدوار التي قدمها في مسيرته، توقف قليلًا ثم تحدث عن دوره في مسلسل «هولاكو»، مشيراً إلى قسوة المشهد الذي يبلغ فيه بمقتل ابنه نتيجة خيانة قادته في الجيش، مؤكداً أن ثقل اللحظة لم يكن في الكلمات، بل في الإحساس الداخلي الذي يطلبه الدور، وهو ما جعله من أصعب التجارب الفنية التي مر بها.
وحين جاء السؤال الذي لامس القلب: ما هو أقرب دور أو مسلسل إلى قلبك؟
جاءت إجابته صادقة وبسيطة في آن واحد وكان رده ذكياً، إنسانياً، ومليئاً بالحكمة.
رد السؤال بسؤال:
هل لديك أولاد؟
وهل تحبهم؟
وهل تفضل أحدهم على الآخر؟
ليصلنا إلى قناعة إنسانية عميقة مفادها أن جميع أدواره مثل أولاده، يحبهم جميعاً، ولا يقدم على أي عمل فني إلا إذا أحب دوره وآمن به. كلمات قليلة، لكنها تختصر فلسفة فنان لا يرى التمثيل مهنة فقط، بل حياة كاملة يعيشها بصدق.

استمر الحوار ليصل إلى جوهر الدراما نفسها، فتحدث أحمد ماهر عن رؤيته لها بوصفها صراعاً دائماً، صراعاً بين شخصين، أو فكرتين، أو مبدأين، أو بين طائفتين، وأحياناً يكون صراع الإنسان مع نفسه.
كان يتكلم عن التمثيل لا كحرفة تؤدى، بل كوعي يبنى، وتجربة تعاش، وخلاصة سنوات طويلة من الفهم والتأمل. وفي سياق آخر من الحوار، سئل الدكتور محمد هاشم عن الأصوات المميزة التي يمكن التعرف عليها فور سماعها في الإذاعة، فذكر الدكتور محمد ثلاثة أصوات لا تخطئها الأذن: الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة، والفنان أحمد ماهروالفنان الراحل الدكتور عادل هاشم، ثم أضاف الفنان القدير احمد ماهر اسماً رابعاً هو محمود ياسين. وكان حديثة عن زملائه مليئاً باللطف والاحترام، حيث عبر عن تقديره الشديد لعبد الرحمن أبو زهرة، مؤكداً أن شخصيته الإنسانية في الواقع جميلة ورقيقة على عكس بعض الأدوار القوية التي قدمها على الشاشة. كما أشاد بقوة وتميز صوت الفنان القدير عادل هاشم، ثم عاد ليؤكد أن الفنان الراحل محمود ياسين كان واحداً من أكثر الأصوات قوةً وحضوراً، بصوت لا يزال محفوراً في ذاكرة الناس، ومميزاً منذ أول جملة.
هذا العمق الإنساني انعكس بوضوح في اختيارات أحمد ماهر الفنية عبر مسيرته، حيث شارك في أعمال بارزة مثل «المال والبنون»، و«بوابة الحلواني»، و«الفرسان»، و«الملك فاروق»، و«أبو حنيفة النعمان»، و«الإمام الغزالي»، و«عمر بن عبد العزيز»، و«القضاء في الإسلام»، و«الليل وآخره»، وغيرها وغيرها من الأعمال التي أكدت أنه فنان لا يكرر نفسه، ولا يقبل إلا بما يضيف إلى تاريخه ويحترم عقل المشاهد.
بالنسبة لي، لم يكن هذا اللقاء مجرد حوار عابر، بل كان درساً في الحياة قبل أن يكون درساً في الفن. خبرة سنوات طويلة عاشها أحمد ماهر، اختصرها لي في نصف ساعة داخل مكتبه، نصف ساعة شعرت خلالها أنني أتعلم ما لا يدرس في الكتب ولا يقال أمام الكاميرات. وفي نهاية اللقاء، التقطنا الصور التذكارية، ووددت لو سمحت ظروفه بأن يطول اللقاء أكثر، لكن هكذا هي الحياة، لكل شيء نهاية، ويبقى الأثر الطيب، والكلمة الصادقة، والإنسان قبل الفنان.
تحية تقدير واحترام للفنان الكبير أحمد ماهر، قيمة فنية وإنسانية نادرة، تستحق كل هذا الاحتفاء وأكثر.







