كتبت : حنان المطوع .

في قلوب الأوفياء لا تموت المشاعر دفعة واحدة، بل تذبل على مهل… كزهرةٍ تسقى بالصبر حتى تتعب من الانتظار.
في البداية، يكون العتاب خفيفاً، دافئاً، مليئاً بالنية الطيبة، كأنه يقول: أنا لا أعاتبك لأؤلمك، بل لأبقيك قريباً مني أكثر… لأحمي هذه المسافة الصغيرة بيننا من أن تتحول إلى غربة.
ثم يعود العتاب مرةً أخرى، لكن بصوتٍ أقل طمأنينة، بنبرةٍ تختلط فيها المحبة بشيء من الخذلان، وكأن القلب بدأ يدرك أن ما يكسر فيه… لم يعد صدفة.
وفي كل مرة، كان الأوفياء يختارون البقاء، لا لأنهم لا يرون، بل لأنهم يرون ويتغاضون… لأنهم يؤمنون أن من نحب يستحق فرصة أخرى، وربما أخرى بعدها.
لكن الحقيقة التي لا تقال كثيراً، أن القلب لا يعتاد الألم، حتى وإن تظاهر بالقوة.
ثم تأتي اللحظة الثالثة…
لا صراخ، لا عتاب، لا حتى محاولة شرح.
هدوء غريب يشبه نهاية طويلة لم تعلن.
هناك، لا يقول الأوفياء: لماذا فعلت؟
ولا يسألون: هل كنت تعني ما حدث؟
بل يكتفون بجملة واحدة، بسيطة في ظاهرها، عميقة حد الوجع في معناها:
“أتمنى أن أراك بخير…”
وكأنهم يسحبون أرواحهم من المكان بهدوء، دون أن يتركوا ضجيجاً، دون أن يثقلوا عليك بأسئلتهم، وكأنهم يمنحونك آخر هدية: الرحيل بلا عتاب.
لأن الأوفياء حين يتوقفون عن العتاب… لا يكون ذلك بروداً، بل يكون اكتفاءً من الألم، ونضجاً موجعاً يخبرهم أن بعض العلاقات لا تصلحها المحاولات المتكررة، بل ينهيها الصمت الكريم.
هم لا يكرهون، ولا ينتقمون، ولا حتى ينسون بسهولة…
هم فقط يختارون أن يحبوا أنفسهم أخيراً، بعد أن استنزفهم الحب في اتجاهٍ واحد.
فالعتاب… كان دايماً محاولة للنجاة،
أما الصمت… فهو اعتراف داخلي بأن الغرق حدث بالفعل.
وهكذا، لا ينتهي الحب عند الأوفياء بصوتٍ عالٍ،
بل ينتهي بنبضٍ خافت يقول:
كنت أتمنى لو بقيت… لكنني تعبت.





