كتبت : حنان المطوع

في أواخر شهر أغسطس الماضي، تلقيت دعوة من صديقتي لزيارتها في الساحل الشمالي بمصر. كان الصيف يودع أيامه الأخيرة، وقد غادر معظم المصطافين، ولم يبق إلا القليل ممن اختاروا الاستمتاع بهدوء البحر بعد انحسار الزحام. كان الجو رائعاً، والنسيم عليلاً، والشاطئ يستعيد سكينته، حتى قطع ذلك الهدوء صوت شباب يتجولون على الرمال، يحملون فوق أكتافهم صندوق من زجاج وينادون بصوت مرتفع: «فريسكا… فريسكا».
التفت إلى صديقتي وسألتها عن هذه الكلمة الغريبة التي تتردد على الشاطئ. أشارت إلى الصندوق وأخبرتني أنها حلوى لذيذة مصنوعة من رقائق الدقيق المحشوة بالمكسرات والسكر. لكن ما أثار فضولي لم يكن طعم الحلوى ولا شكلها، بل اسمها. سألتها: وما معنى فريسكا؟ ابتسمت وقالت: «والله ما أعرف، إحنا من زمان بنسمعهم بينادوا كده».
انتهت الزيارة وعدت من إجازتي، لكن الكلمة لم تغادر ذاكرتي. بدأت أبحث عن أصلها، وكانت المفاجأة أن هذا النداء البسيط الذي يتردد على الشواطئ المصرية يحمل في حروفه أثراً من تاريخ مدينة الإسكندرية، حين كانت ملتقى للجاليات والثقافات القادمة من ضفاف البحر المتوسط.
اكتشفت أن كلمة «فريسكا» مأخوذة من الإيطالية Fresca، وتعني «طازجة»، وهي كلمة ارتبطت بالباعة الذين كانوا ينادون على بضاعتهم لإخبار الناس بأنها طازجة ومقرمشة. ومع مرور الزمن، تحولت الكلمة من وصف للحلوى إلى اسم لها، ثم أصبحت جزءاً من الذاكرة الشعبية المصرية.
ولم تكن الإسكندرية مدينة عادية في ذلك الزمن، فقد عاش فيها المصريون إلى جانب الإيطاليين واليونانيين وجاليات أخرى، واختلطت لغاتهم وعاداتهم ومأكولاتهم. ومن بين تلك التأثيرات بقيت الفريسكا، وإن اختلف الباحثون في تحديد أصل صناعتها، فهناك من يربطها بالإيطاليين واليونانيين، وآخرون يرجعون بعض جذورها إلى العصر العثماني. لكن المؤكد أنها وجدت على شواطئ الإسكندرية بيتاً احتضنها، حتى أصبحت واحدة من أشهر ملامح الصيف المصري.





