كتبت : حنان المطوع

تصحو كل صباح، ولا يحلو الفطور عند كثير من المصريين إلا بعيش الفينو. رغيف طري ودافئ، مرة مع الجبن، ومرة مع البيض أو الفول، وفي أيام المدرسة يتحول إلى سندوتشات صغيرة تسكن حقائب الأطفال. نعرفه جميعًا، ونطلبه باسمه ببساطة: «هات عيش فينو»… لكن هل فكرنا يومًا: لماذا سُمّي فينو؟ ومن هو فينو أصلًا؟وراء هذا الاسم حكاية قديمة تقودنا إلى الإسكندرية، المدينة التي كانت يومًا ملتقى المصريين واليونانيين والإيطاليين والفرنسيين وغيرهم من أبناء البحر المتوسط. وتروي روايات صحفية مصرية متداولة أن خبازًا يونانيًا عُرف باسم الخواجة فينو عاش في حي الإبراهيمية، وافتتح مخبزًا في شارع لاجيتيه، تخصص في المخبوزات والعيش الإفرنجي. كان الرغيف الذي يقدمه مختلفًا عن العيش البلدي؛ أبيض، طريًا وخفيفًا، قريبًا من عائلة الخبز الأوروبي الطويل. وأقبل عليه أهل الإسكندرية، حتى ارتبط هذا النوع من الخبز باسم المخبز وصاحبه. وبدلًا من أن يقول الناس «العيش الإفرنجي»، شاع بينهم اسم «عيش فينو»، ثم خرج الاسم من الإسكندرية وانتشر في أنحاء مصر. والحكاية تصبح أكثر إثارة عندما نعود إلى أصل هذا النوع من الخبز نفسه. فهناك جذور أوروبية أقدم لما يُعرف بخبز فيينا أو Pain Viennois، وهو خبز طري يختلف عن الباجيت الفرنسي التقليدي. لذلك قد يكون الخواجة فينو قد اشتهر في مصر بصناعة نوع كان معروفًا في أوروبا أصلًا، وليس باختراع الخبز نفسه. كما أن المصادر الحديثة لا تتفق تمامًا في بعض تفاصيل قصة الرجل وجنسيته، ولهذا تبقى قصة تسمية الرغيف باسمه رواية متداولة وليست حقيقة تاريخية محسومة بكل تفاصيلها. ومع مرور السنين، نسي الناس الخباز والمخبز، وبقي الاسم. أصبح «الفينو» جزءًا من اللغة المصرية ومن تفاصيل الحياة اليومية؛ من فطور الصباح إلى سندوتش المدرسة، ومن الرحلات إلى موائد البيوت.وهكذا قد يعيش الإنسان بعد رحيله بطريقة لم يتوقعها أبدًا. فربما لم يتخيل الخواجة فينو، وهو يقف أمام فرنه في أحد شوارع الإسكندرية، أن المصريين بعد عشرات السنين سيستيقظون صباحًا ويطلبون اسمه… وهم في الحقيقة يطلبون رغيفًا.






